[email protected]
في ديننا وعاداتنا وتقاليدنا الرجل يعني القوامة والزعامة.. وفي أوروبا والعالم الآخر يعني رقما موازيا للأنثى.
في عربنا الرجل فيه رفعة درجة عن المرأة لكينونته الصلبة وتحمله تكاليف الحياة والإنفاق.
الرجل في الحياة مرصود في كل تصرفاته وهي بكل شفافية متأرجحة بين الانحراف والاستقامة أو بين بين، قال تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ـ النساء: 34).
عالم الرجال عالم فسيح، عليك أن تدخل عالمه بحذر لأن حدوده تجوبها رياح من العنفوان والصد والرفض والقبول، فما أكثر غموض الرجل وغروره خاصة فيما يتعلق بزلاته، وما أنقى سريرته إذا استقام على كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
الرجال إما رجل أو شبيه رجل وهناك رجل في مجموعة رجال.
في السابق في الزمن الجميل كان الرجل بأمة.. واليوم هناك قلة من الرجال لأن كثيرا منهم تخلوا عن أدوارهم بفعل الأنانية وملاهي الحياة، رموا المسؤوليات وتحرروا منها ليعيشوا حياتهم في فوضى عارمة بلا طموح أو أحلام.. وهناك رجال يسعون للنجاح وتحمل الأعباء من خلال معرفتهم لأدوارهم وفضائل تربيتهم فيضعون الأهداف نصب أعينهم ويسعون لتحقيقها بكل عزيمة ليصلوا إلى آمالهم بسلامة ورضا.
لولا المواقف ما عرفت الرجاجيل
والرجل يعرف بالشدايد والأفعال
بعض الرجال كبار لكن مهابيل
المرجلة ما هيب بالكبر والمال
هذا الكلام الحق من غير تبديل
حبيت أقول الصدق والصدق ينقال
لقد أربكتنا العولمة لأنها من خارج أمتنا وذهبت هويتنا أدراج الرياح.
إنني في هذه «الاستراحة» لا أسفّه أحلام الرجال وإنما أذكّر لأن الذكرى تنفع المؤمنين والذين رجوا أن يكونوا «كومبارس» وليسوا قادة في واقع مرير ضاعت فيه المرجلة الحقيقية.
إنها استراحة للرجال والنساء الذين هم اليوم في قلب العاصفة الحضارية بكل ما فيها من دمار أخلاقي، وهنا دوري دور الناصح الأمين من مغبة الانحطاط والسقوط.
قال المأمون: الرجال ثلاثة: رجل كالغذاء لا يستغنى عنه، ورجل كالدواء يحتاج إليه في بعض الأوقات، ورجل كالداء لا يحتاج إليه أبدا.. فأيهم أنت أيها الرجل؟!
لذا، تسمع أحيانا يا فلان «خلك رجال».. لأنه في الموقف ذكر فقط وإلا ما قيل له «كن رجلا».. وهكذا هي الحياة اليوم في ذكور، ويبقى السؤال: هل كل الذكور رجال؟! هذا هو السؤال.
إنها «استراحة» جديدة نوعية، وعلى بركة الله نبدأ:
أعتقد أن هناك رجالا كثرا لن تعجبهم هذه الاستراحة لأنها تعريهم، فليست الرجولة هي الذكورية، النوعية التي أقصدها هنا نادرة إنما موجودة بيننا في الحياة، وهم كثر ولله الحمد، وتقابلها إناث وحريم ونساء وقوارير ولا أجمل من عقولهن وتصرفاتهن، ومقصدي من ذكر الرجولة ليس التقليل من أهمية الانوثة، وأذهب أبعد من ذلك حتى في النباتات والجمادات والحيوان وسائر البهائم والأنعام، أليس الله القائل (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون).
إذن، الرجولة كما أتصورها في حقيقتها هي عقيدة وعبادة وعفة ونقاء وطهر وتضحية وفداء وعقل وتصرف وسلوك، ومن وجدت فيه فقد بلغ حد الكمال في الشخصية.
إذن، الرجولة سر! لذا قيل إن الرجل القوي يعمل والضعيف يتمنى.
نعم هي سر، والرجل الفحل من يكون في كل مواقفه وسلوكه رجلا من غير منقصة، وان كان الكمال لله وحده، لكنها غاية ننشدها، فنحن الرجال في كل اعمارنا، فالرجولة الحقة موقف وتصرف وأثر، نحن في زمن كثرت فيه المغريات والشهوات وهي تخطف الرجال والنساء، ما لم يحصّنوا انفسهم في زمن كثرت فيه الفتن ما ظهر منها وما بطن، وتذكروا أن الرجل يولد مرتين مرة من امرأة تعطيه الحياة وهي أمه وأخرى نصفه الآخر تعطيه الحب، والفارق ان الأولى تعطيه حياتها.
الرجولة المنشودة
اننا في زمن يتطلب منك كأب ان تحرص على تربية ابنائك الذكور على المرجلة، وهي غاية كل أب سويّ ان يرى نسله على شاكلته وطبعه وسلوكه، خصوصا اننا نعيش في زمن ما عادت «كاريزما التربية» تربي مثل المدرسة والمسجد وحتى الجار.
ان الاجداد والآباء ونحن نسير على خطاهم اليوم ونقتفي اثرهم نأمل ان يسير عيالنا على طريقنا، ولا ازعم انني هنا جئت بشيء جديد او فريد سوى التذكير ولفت النظر بضرورة احياء ما في داخلهم من رجولة حقة، وبالكويتي نسميها «المرجلة»، وهي عنوان «الاستراحة» اليوم، وهي نعمة باتت مفقودة، اللهم الا من رحم ربي.
ان تتبع المواقف اليوم يوضح لنا بجلاء معادن الرجال، وهناك في تاريخنا اعلام من هذه الوقفات المنشودة في هذه الاستراحة، فلنقف على قول الرسول صلى الله عليه وسلم «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ».
الله اكبر، اهتز عرش الرحمن لموت صحابي جليل هو سعد بن معاذ! كم معاذ في هذه الأمة؟
اذن، اذا اردت ان تعرف الرجل فابحث في سيرته وافعاله وسلوكه ومواقفه.
في صغري أمسكني والدي، رحمه الله، وقال لي: شوف البخل عدو المرجلة ولا «يخدم بخيل»، وحمدا لله سرت على هذه النصيحة وعلمتها لأولادي جميعا، وانا افخر بهم اليوم حينما اجد هذه الصفة في سلوكهم الحياتي اليومي، اللهم لك الحمد.
يقول ابن الصحراء:
حنا النشامى كرام ما نعد الشات الهزيل
نقدم الميسور لو طال الزمن ونمده
لا مال الزمن بالردى ما تنفعه التهاويل
ولا تنفعه ثروة أبوه ولا قروش جده
رسالتي إلى شباب اليوم
والله ما كتبت هذه الاستراحة اليوم إلا لشبابنا الأخيار اضعها بين ايديهم لانهم رجال المستقبل وصناع الكويت وهي تستشرف المستقبل، واعلم ان كثيرا منهم سيكونون بإذن الله من خير الرجال لانهم بصراحة كنزنا القيم وفخرنا، ولزاما علينا ان نفخر بهم لانهم طاقاتنا القادمة، ولزاما علينا ايضا ان نغرس فيهم معاني العزة والرجولة في قلوبهم وسلوكهم ثم ترجمة كل ما تربوا عليه الى واقع ملموس في حياتهم، وتبقى الحقيقة ان الرجل يحمي المرأة من كل الرجال عدا نفسه.
وأنا اتجول في الحياة.. في الشوارع والمولات والاسواق والمرافق الحكومية والخاصة وأرى «مجاميع الشباب» أقول في نفسي يارب يلحقوا في ركاب اسلافهم قولا وعملا وإخلاصا.
ان الرجل الصالح هو في النهاية مواطن صالح ينفع بلده وبيته وأسرته ومجتمعه.
ان على المدارس دورا وعلى المساجد أدوارا وعلى البيت رسالة والتربية ليست في صفحات الكتب والمناهج بقدر ما هي رسالة المعلم ودوره، ويجب ان يكون معلما ذا رسالة وليس موظفا.
ان إعداد رجل كويتي إعدادا طيبا يساوي ويوازي ألفا، بل يزن شعبا بأكمله لأن رجلا ذا همة يحيي أمة.
قال تعالى في حق نبيه ابراهيم عليه السلام: (إن إبراهيم كان أمة ـ النحل 120).
الحقائق الغائبة
أيها القراء الكرام: الرجولة أو المرجلة كما اسميها ليست اشكالا بالطول والعرض والنحافة والسمنة بل هي أعمال تحملها روح صادقة مع الله تعالى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ان الله لا ينظر الى اجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» وفي رواية «وأعمالكم»، رواه مسلم.
ان الرجل المتوازن الوسطي هو من يقدر الناس ويحترمهم معتدا بدينه وخلقه ونسبه وبعيدا عن الغرور والجبروت والسطوة على الضعفاء.
ان الرجل «المرجلة» هو من يحمل نبل نفس وأدبا جمّا وحسن سمت وعلما وعملا وسيرة طيبة وأخلاقا عالية هكذا توزن الرجال بهذه الكيفية.
يقول عايض القرني: ان الرجال لا يقوّمون بالثياب وان العظماء لا يقاسون بالاشبار ولا يوزنون بالارطال ولكن قيمتهم عملهم الصالح وقياسهم اخلاقهم الجميلة ووزنهم تاريخهم المشرق.
قال لي العم إبراهيم الصقعبي والعم أحمد المهيني رحمهما الله: ان والدك كان أول من ينزل في الغوص من البحارة متكلا على الله، وغير خائف من هوام البحر.. هذه العبارة جعلتني اخوض غمار حروب وأغطي لـ«الأنباء» أشد المعارك في افغانستان والبوسنة وهنا وهناك، انها وصايا الرجال للرجال، فكن منهم، وهذه وصيتي لابني «مهند» لا تهب وتجفل، أقدم فأنت نسل فرسان ظهرا وبطنا عمّا وخالا، فلا تلتفت للحاقدين والحاسدين والمثبطين وشياطين الإنس، وارتق كما أنت تعمل اليوم لخدمة وطنك وشعبك الوفي الاصيل الذي يميز ما بين هذا الزبد والتألق يا بو يوسف، أنا أفخر بك وأعتز.
يقول الشاعر:
يا ولد أبويه يا عظيم العزايم
يا معرب الجدين من العم والخال
الشرع ميزان الرجال
الرجل الحقيقي لا يقاس بلحمه وشحمه وعظمه وإنما بمرجلته وعلمه وتقواه وحيائه وسلوكه وتاريخه.
حضرنا جنائز ووفيات كثيرة فإذا اردت ان تعرف قدر هذا الرجل فانظر الى حشوده وحضوره وما ترك من اشرف الناس ونعرف في تاريخ الكويت (رجالا سكروا مقبرة الصليبخات) لكثرة حشودهم وفي دواوينهم ومناطق عزاهم.
قال شيخ الاسلام العز بن عبدالسلام- رحمه الله- في قواعده الكبرى : «.. والشرع ميزان توزن به الرجال وبه يتبين الربح من الخسران، فمن رجح في ميزان الشرع كان من أولياء الله».
هذه هي المرجلة الحقيقية التي ننشدها والتي ليست بالخز والتطاول وهذه ليست من المرْجَلة في شيء والعكس تماما فهي مصغرة للرجال، لا بل مسخرة للرجال الموتورين المتجاوزين الذين يعتقدون انه كلما زاد الصوت والعضلات فهذه هي الرجولة الحقيقية!
ان المعنى الرجولي الحقيقي ينحصر في مخافة الله وأخذ عباده كل على قدر فهمه، فهناك كثير من خلقه غير اسوياء ولا اصحاء، الرجولة الحقيقية منبع التسامح، وكم في الحياة رجال قابلناهم لهم رؤوس ولكن المرأة تديره وبالكويتي «سكانه مرته»!
رجولة وذكورة
عندما تقرأ القرآن الكريم دون تعجل وتتدبر معانيه ومفرداته تقف على حقيقة في لفظ الرجولة، حيث تجد تفريقا واضحا بين الرجولة والذكورة فإذا كان السياق في معرض الثناء ذكر لفظ الرجولة وإلا ذكر لفظ الذكورة التي تبين جنس الانسان وتميزه عن الانوثة.
لنقف عند هذه الآية الكريمة: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) الأحزاب ـ 23.
وأيضا: (للذكر مثل حظ الانثيين) النساء ـ 11.
وقوله تعالى: (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور) الشورى ـ 49.
وتبقى الحقيقة المجردة التي لا لبس فيها ايها الاحباب من القراء الكرام وهي ان الله عز وجل خلق الزوجين ذكرا وأنثى ولكن ليس كل الذكور رجالا، فالرجولة وصف آخر فيه زيادة على مجرد الذكورة كما فهمنا من سياق ما طرحت سابقا ولاحقا، تذكروا ليس كل الذكور رجالا.. طبعا شاهدتم عددا كبيرا من (الجنوس) في مناحي الحياة وهم لا يحسبون على الرجال.
قال الشاعر:
فإذا البلاد تهللت فلأنها
برجالها تشقى البلاد وتنعم
مجرد أحاسيس
في كتاب جديد للزميلة شدوى رمضان بعنوان «مجرد احاسيس» أهدي إلي من الاستاذ الزميل حسام فتحي مستشار التحرير، تقول هذه الكاتبة مرهفة الاحاسيس تحت عنوان فرعي لها في الكتاب لفت نظري.. أهذه الرجولة؟
أهذه الرجولة ان تهجر أمرأة تنتظرك منذ أيام الطفولة؟!
أن تهدم احلامها، يا من كانت على كل احلامك صبورة، أهذه الرجولة؟!
معك والله الحق يا شدوى ففي الحياة ابن عاق وزوج غير وفيّ.. وأصدقك القول قرأت كتابك في جلسة واحدة كما طلبت.
الرجال مواقف
تأمل معي في هذه المساحة كيف خلق الله عز وجل رجالا وحمّلهم مسؤوليات عظيمة ومنهم انبياؤه ورسله، بكل مواقفهم البطولية لنشر دين الله وتبليغ رسالتهم للعالمين واحياء سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انظر عزيزي القارئ لعظمة كل من هؤلاء:
موقف ابراهيم أمام النمرود.
موقف نوح أمام أمة ناكرة وظل يدعوهم 950 سنة!
موقف موسى عليه السلام امام فرعون وقومه.
موقف هود امام أمة مستكبرة متجبرة.
موقف يوسف امام فتنة امرأة العزيز وهي جميلة الجميلات.
هكذا تقاس المواقف البطولية وتنسب للرجال العظماء.
تعلمنا من رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كل معاني القوة والشجاعة والاناة والصبر، تعلمنا اسلوب دعوته باللين والحكمة والموعظة الحسنة، تعلمنا من هجرته ومعاركه كيف انها دليل على اقدامه وشجاعته ورجولته.
من المواقف التي تعلمنا فيها المرجلة الحقيقية موقف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في عاصفة الحزم ضد الحوثيين الذين يستهدفون امتنا الاسلامية.. هكذا هم الرجال حملة الرسالة التاريخية.
آخر الكلام
في هذا الزمن المليء بالفتن نحتاج إلى الرجال في كل قطاعات مجتمعاتنا الاسلامية والعربية لانه بمثل هؤلاء الرجال الافذاذ نحيا لانهم ذوو رؤوس مفكرة وهمم عالية وعزائم قوية.
لم تكن رجولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوة بدنه ولا في فروسيته وشجاعته التي اخرست قريش وكفار مكة ولكن رجولته كانت في ايمانه وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم ونفسه الشامخة في تواضع العابد الخائف من الله عز وجل.
تكفون قفوا معي في تأمل قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نحن قوم اعزنا الله بالاسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله».
الله اكبر ايها الفاروق.. يقول الشاعر:
هم الرجال وعيب ان يقال لمن
لم يتصف بمعاني وصفهم رجل
وانا اكتب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وارضاه والله اشعر بهيبة هذا الرجل الذي هاجر علنا ومخاطبا كفار مكة من قبيلة قريش وهم سادة العرب: «اني مهاجر من اراد ان تثكله امه فليتبعني وراء هذا الوادي».
هذا واحد من اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا خير أمة، فلنتشبه بهم. نسأل: وين المرجَلة؟ الجواب؛ يبيلها زلم.