[email protected]
هي روح عاشت بيننا، ورحلت إلى الدار الآخرة.. كانت صرخة ولادتها بداية لطفلة غير عادية، خرجت الى الحياة من عمق «نجد» في «المجمعة» وممتدة الى الأفق البعيد في «الزبير» والكويت.
85 عاما عمرها قدمت خلالها «جل جهدها» في رسالة (أُم) أبت إلا أن تكون دائما الصدر الحنون للقريب والبعيد ولتشكل على مدى أيامها وسنواتها «كاريزما أُم» صچية ربت ووجهت «عيالها» نحو المعالي، مكملة دور الأب الذي رحل تاركا لها الأمانة، ولتكون لكل من له صلة رحم بها ملاذه الآمن، ولتخرج لنا فارسا «جميلا» محاطا بفارسات «نبيلات» صنعتهم وأعدتهم للحياة.
اليوم وفي هذا اليوم المبارك وهو يوم الجمعة أدعو كل قرائي وأحبابي في داخل الكويت وخارجها وفي مشارق الأرض ومغاربها وكل قاراتها الى الدعاء لهذه المرأة الكريمة العزيزة التي «تهفو لها القلوب» محبة واحتراما، إنها العمة المغفور لها بإذن الله تعالى فتوح عبدالمجيد عبدالحميد الصانع ـ أم جميل ـ جعل الله قبرها روضة من رياض الجنة ومنزلتها الفردوس الأعلى من الجنة يا رب العالمين وهي الآن عندك بعد ان استرددت أمانتك، قال تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ـ آل عمران: 145).
باسمكم جميعا نترحم على العمة فتوح الصانع.. وداعا يا أم الجميع في هذه الوقفة الاستذكارية لمناقبك يا بنت الأكرمين.
هي «فتوح» ولها من اسمها نصيب لأن حياتها كلها «فتوحات ربانية» وإنجازات، فلقد أخذت من اسمها المبارك الإنجاز الباهر في كل شيء وهو رزق يفتح الله به على يد عباده الصالحين الموحدين ولا نزكي على الله أحدا.
ولدت في بيت ذي حسب ونسب، عم أبيها هو الباشا أحمد الصانع حاكم الزبير، رحمه الله، وأخذ البشاوية لصيته وسمعته العطرة وتلتقي مع زوجها العم عبدالرزاق عبدالحميد الصانع ـ رحمه الله ـ في الأجداد ولها من العيال ما شاء الله ـ مها ـ سهام ـ ابتسام ـ جميل ـ نبيلة ـ شروق. قالوا: الأبناء من صنعتهم أمهاتهم، اللهم اجمعهم دائما على الخير ولا تفرقهم يا رب العالمين.
قال الشاعر:
أقول أمي فيصغى الكون في شغف
وكل ساطعة في الأفق تبتسمُ
العمة أُم جميل ـ جيل من الزوجات الرائعات من ذاك الزمن الجميل من الرعيل الأول من الجدات والأمهات اللاتي أصبحن ندرة في هذا الزمان أولا ـ لسنعهم ـ وثانيا ـ لإنجازاتهم على مستوى العائلة والحمولة.
عندما نتكلم ونتحدث عن عمتنا فتوح الصانع ـ الله يرحمها ـ لابد ان نتوقف عند رفيق دربها العم عبدالرزاق الصانع ـ طيب الله ثراه ومثواه الذي أعطاها من لدنه فهو «ولد چبلة» الذي مارس التجارة والمحاماة ومجالس «الأمة» كحال رجالات الكويت الأماجد الأخيار وما عرف عنهم من تدين وأفعال خير يصعب حصرها، وبالتأكيد انعكس هذا ايضا على رفيقة دربه العمة «فتوح»، التي عرف عنها انها تعمل الخير بصمت وكتم حتى لا تعرف شمالها ماذا أنفقت يمينها ـ رحمها الله.
لقد كانت العمة «أم جميل» فاعلة خير بجدارة وهمة لا يعلمها إلا الله فهي: «كريمة بنت كريم وزوجة كريم» وعرف عنها انها لا تجلس في مجالس «نمامة» وتكره النميمة وتنصح دائما بالسماح والعفو عند المقدرة وكانت تدعو دائما يا مال الجنة: «يا رب من حيلي لقبيري» أي خذني بقوتي، لا تريد ان تكون عبئا على أحد وقد رزقها الله ما تمنت وما عند الله لها خير وأبقى وأكثر إن شاء الله، وتحدثني ابنتها البارة «شروق» ان الممرضات الهنديات اللاتي رافقنها خلال الـ6 اشهر الاخيرة يبكين على فراقها لما لمسنه من عاطفة وأمومة منها، رحمها الله.
يا مال الجنة يا أم الجميع، يا من كنت لأسرتك وعيالك وأحفادك «الخيمة الحنون التي يستظل بها الجميع»، وحزنك ممتد إلى المجمعة والزبير، والله وحده يصبر ناسك على فقدك يا غالية الغاليات، فلقد كنت العود الأخضر دائما الذي يظلل الجميع في السراء والضراء.
شيعت العمة فتوح عبدالمجيد عبدالحميد الصانع في عصر الـ13 من جمادى الأولى 1439هـ الموافق الثلاثاء 30 يناير 2018 في مقبرة الصليبخات، وقد احتشدت الكويت بأبنائها الأوفياء البررة في جنازتها، وفاء وعرفانا بدور هذه الأم المباركة، سائلين الله عز وجل ان يتغمد الفقيدة بواسع رحمته ويسكنها فسيح جناته ويلهم أهلها وذويها الصبر والسلوان.
أنا أعلم حجم حزن أسرتها عليها خاصة بناتها والأخ جميل ويشاركهم الأهل والمعارف والجيران، وخاصة صديقاتها المقربات عنود السعدون أم حمود والشيخة شريفة النواف وشريفة التويجري وأسرة الشيخ ناصر صباح الناصر وغيرهم كثير يصعب تحديدهم، لقد رأيت منطقة كيفان وقد «سكرت» الطرق في عزاء الرجال والنساء، وسمعت من العاملين في المقبرة ان جنازتها كانت خفيفة وحضر الصلاة عليها مئات من أهل الكويت وهذه علامات قبول إن شاء الله.
قال الشاعر معروف الرصافي في «الأم»:
ان أمي هي التي خلقتني
بعد ربي فصرت بعض الأنام
فلها الحمد بعد حمدي إلهي
ولها الشكر في مدى الأيام
ومضة: كانت أم الجميع «قدوة» في أفعالها وتقول لكل من تعلمهم في الحياة: «احترامك للناس يعمل لك قيمة».
كانت لا تتباهى باللباس والاكسسوارات ولا تتفلسف كبرا وطاووسية على أحد، ولباسها متواضع، وكانت تكره التفاخر، «انها انموذج من حريم زمان أهل الحشيمة والمفاخر والقيم».
قال الشاعر:
ولا يموت ميت إن كان في
ذكراه ما يبقى ويخلد
آخر الكلام: كانت تكره من يقول «عندي وعندي» ويترفع على الناس، وكانت تبر كل من له علاقة رحم بها، وبرها يصل حتى «أصدقاء» العيال، ولعل هذا ما تعلمته من العم بو جميل ـ رحمه الله ـ فرجال الزمن الجميل عندما يهدون عيالهم يقدمون هداياهم لأصدقاء وصديقات عيالهم لأنهم شايفين خير وأهل سنع!
وتبقى الحقيقة: الأمومة فردوس الوجود، وأمنا «فتوح» في الفردوس بإذن الله.
زبدة الحچي: لقد حجت العمة «فتوح» أم الجميع في الحجات القديمة مع زوجها وأصحابه الذين كانوا يحجون مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ يوم كان حاكما للرياض وكانت تحرص على ان تقضي دائما العشر الأواخر من رمضان في رحاب بيته في مكة المكرمة وتزور المدينة إن تغانمت الفرصة فيا رب تقبلها بواسع رحمتك واجمعها مع أهلها في بيت الحمد بأعلى الجنة. ادعوا لها تستاهل أم الجميع ـ رحمها الله ـ وتسقط دمعة في ليلة الجمعة المباركة، فوداعاً يا أم الجميع.