[email protected]
في جائحة كورونا 1441هـ الموافق 2020م مررنا بكثير من المواقف وتعلمنا دروسا من قضايا خافية، وكل هذه المواقف السعيدة أو الحزينة علمتنا الدروس.
من أجمل اللحظات في جائحة كورونا الاتصال اليومي بالعم الشيخ سلطان الحثلين، و«أبو راكان» علم لا يعرَّف وزبدة الهرج نيشان، فالرجل كلما حادثته بالنقال استفدت من مشورته ورجاحة عقله وحكمته وحنكته وتجربته الحياتية خاصة البرلمانية، وسعة أفقه بحصيلته التراكمية في ذهنه تعطيك مدى عندما أسأله ويجيب عن أسئلتي برحابة صدر، كم أسعد بهذا الدور، أن أكون تلميذا وطالبا في مدرسة «أبو راكان» الذي يخجلك بأدبه الجم وتواضعه وفزعاته بالخير والجاهيات والدفاع عن المعوزين والمظلومين وكل ذوي حاجة حسب حاجته ولا تسمع منه إلا كلمة «لبيك أبشر»!
هو يسير على خطى «راكان الأول» وكل نسله يتبعه وكلهم لا يغيب عن بالهم هذا الصيت الذي حصل عليه راكان الجد المؤسس (للمدرسة الحثلينية) بكل مبادئها وقيمها وما سجله التاريخ لسيرة أسطورة هذا الزمان «راكان بن حثلين» طيب الله ثراه ومثواه، وسيرته العطرة التي تجاوزت الآفاق لتصل إلى كل الديار العربية.
بالأمس، كنت أتحدث بالتلفون مع العم سلطان (بو راكان) عن أحوال الناس الذين تضرروا من تفشي وباء كورونا وتقطعت بهم السبل من إيجارات متراكمة وتوقف مصالحهم نتيجة الحظر والقرارات الوقائية التي قامت بها الدولة، وفاجأني قائلا: شوف أبو مهند العبرة المستفادة أنه لا غنى يدوم ولا فقر يبقى، وعلى الإنسان أن يكون حكيما في علاقاته مع من حوله (صغر أم كبر) والناس للناس والكل بالله عز وجل في هذه المعمورة، فالدنيا الفانية تدور تقف بك عند الحدث نفسه، فحاول في حياتك أن تكون محسنا وحليما مع الناس حتى مع من أساءوا إليك، وكما قيل: من المحال دوام الحال.
سمعت أبا مهند بقصة القول: «امش في ظل ناقة»؟
فقلت: لا.. طال عمرك.
فقال: اسمع مني هذه القصة الموجودة في صفحات التاريخ العربي، وهي مفيدة لمن يحسن الإصغاء ويعتبر، ويعرف أن الأيام دول بين الناس، ومن المحال دوام الحال.
قال: سأرجعك إلى اليمن تحديدا لأسرد عليك القصة:
يحكى أن سليل ملوك اليمن، وائل بن حجر الحضرمي، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم معلنا إسلامه، وكان صلى الله عليه وسلم قد قال لأصحابه قبل وصول وائل: «يأتيكم بقية أبناء الملوك»، فلما أتى وائل رحّب به النبي صلى الله عليه وسلم، أدناه، ثم أعطاه أرضا نظير ما ترك خلفه من المُلك والزعامة، وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان ليدله على الأرض، وكان معاوية وقتها من شدة فقره لا ينتعل حذاء، (وهنا نتوقف مع أهم موقف- أوعبرة- في القصة سجله التاريخ) فقال معاوية لوائل: أردفني على الناقة خلفك، فقال وائل: ليس شحا بالناقة لكنك لست رديف الملوك، فقال معاوية: إذن أعطني نعلك، فقال له وائل: ليس شحا بالنعل، لكنك لست ممن ينتعل أحذية الملوك، ولكن امش في ظل الناقة!
يا سبحان الله ما هذا الغرور.. والطاووسية والتكبر الممجوج!
دار الزمان ودارت الأيام، وآلت الخلافة إلى معاوية، وجاء وائل إلى الشام وقد جاوز الثمانين، ودخل على معاوية، وكان جالسا على كرسي الملك، (هنا نتوقف مرة أخرى لنتأمل العبرة) نزل معاوية من على كرسي الملك والحكم وأجلس وائلا مكانه، ثم ذكَّره بالذي كان بينهما فيما مضى، وأمر له بمال، فقال وائل: أعطه من هو أحق به مني، لكني وددت بعد ما رأيت من حلمك لو رجع بنا الزمان لأحملك يومها بين يدي.
شكرا.. العم الشيخ سلطان بن سلمان الحثلين - أبا راكان - الذي أورد لنا حكاية وقصة صغيرة ذات معنى، وهي موجودة في «صحيح ابن حبان» وكتاب «البداية والنهاية» لابن كثير و«التاريخ الكبير» للإمام البخاري.
٭ ومضة: على الإنسان أن يفكر ويعتبر، فنحن قبل تفشي وباء كورونا كنا في أحوال مختلفة عن الآن، فكثير من الدول المعتبرة التي يشار لها بالتقدم الطبي سقطت في اختبار كورونا، وكلنا شاهدنا تخلف إيطاليا وأميركا وبريطانيا وغيرها من الدول بينما الكويت والأردن من الدول التي اعتبرت في المقدمة!
لا أحد في هذا العالم يستطيع أن يبقى في القمة أبدا، ونظرة إلى التاريخ وسير الأحداث يتضح للقارئ الكريم صدق ما أقوله الآن، فالدنيا دوارة وعلينا أن نتواضع ونعرف أحجامنا الحقيقية التي هي لا تساوي عند الله عز وجل جناح بعوضة.
عليك أيها القارئ الكريم وأنت تعيش حياتك أن تتبنى الخير طريقا لك واعلم أن ما تزرعه تحصده، وكما قيل: من المحال دوام الحال.
اعمل حسابك أن الدنيا تدور فما تقدمه للإنسانية هو الباقي وربما يدفع عنك الأذى والضرر.
٭ آخر الكلام: عزيزي القارئ الكريم تذكر دائما أنه لا يمكن للدنيا أن تدوم طيبة لأحد، فهي والله متقلبة غير مستقرة وتذكروا هذا البيت:
لا تأسفن على غدر الزمان لطالما
رقصت على جثث الأسود كلاب
٭ زبدة الحچي: هيهات هيهات أن يصفو الزمان للإنسان على الدوام، فالحياة دار عبور و«الشاطر» من يزرع الخير دائما ليحصد خيرا في حياته ويكون رصيده للآخرة، واعلم يا ابن آدم أنك راد إلى التراب «متر في متر»، وسيهال عليك التراب مهما كنت ومهما علوت، واحذر تقلبات الأيام فكم من عظيم غدا وضيعا.
لقد صدق العم الشيخ «أبو راكان» في إيصال رسالة بليغة إلينا مفادها: امش في ظل ناقة ولا شيء يدوم.. فاعتبروا يا أولي الألباب.
.. في أمان الله.