Note: English translation is not 100% accurate
البيت = قصيدة
14 ابريل 2011
المصدر : الأنباء
حمد الخروصي
في أحيان كثيرة يعلق على لسانك بيت شعري فتبدأ بترديده دائما بمناسبة أو من دون مناسبة، وتستمر بهذا الهذيان المهدئ للأعصاب لفترة زمنية طويلة، تردده أمام الأصدقاء، أمام المرآة، أمام الأحبة وخلفهم.
بيت تنشده بحرقة وربما تغنيه بانتشاء، تتعلق به، تشعر بأنك كاتبه، كأنه لك، كأنه أنت، تجاهر بهذا التوحد والحب.
ويبقى سر هذا التعلق كامنا في البيت نفسه، فبعض الأبيات الشعرية تختصر عليك الكثير من الكلام، بما تحتويه من فكرة قوية وصياغة شعرية مدهشة، بفضل التقاطة نادرة من شاعر حاذق، وهذا ما يميز شاعرا عن شاعر آخر، فهناك الكثير من الشعراء الذي يجيدون الكتابة المنمقة ولكنهم يفتقدون التعبير الجيد فهم يدهشونك بصورهم المبتكرة واستعاراتهم الرائعة، ولكن تأتي دون التعبير عن موضوع القصيدة الأساسي، قصيدة ممتلئة بالصور التي لا تترابط فيما بينها بوعي، فيكون بناؤهم هشا سهل الهدم والنسيان، ومزعجا للقراءة الباحثة عن الشعر الفريد، مثل هذه القصائد لا تتذكر منها سوى اسم صاحبها فقط، وذلك حتى تتحاشى قراءة قصيدته في المرات المقبلة. كيف يستطيع الشاعر ان يصور حالته النفسية أو أفكاره من دون صور شعرية مترابطة أو جمل تعبيرية موحية؟ هل يستطيع الشاعر وهو في حالة حزن شديدة أن يكتب قصيدة تعبر عن الفرح والسعادة والبهجة، أو في لحظة فرح وسعادة أن يكتب قصيدة حزينة وسوداوية؟ ربما يستطيع بعضهم ارتكاب هذه الجريمة الوجدانية ببرودة دم، أقول ربما لأن القصيدة تمثل ما يختلج في الوجدان من مشاعر وأحاسيس، ولحظة الكتابة هي لحظة صادقة حقيقية، هي لحظة عبور حرجة وحاسمة، لحظة خلق وطلق وولادة، وأحيانا لحظة إجهاض وموت لفكرة جديدة. الكتابة الشعرية هي لحظة كف وتعر وفضح واعتراف، وكل هذه المفردات لا تتناقض أبدا مع أي أسلوب شعري، فالكشف لا يناقض أبدا الرمز والمواربة والتورية أو الغموض والتحايل، إن كل هذه الأساليب هي أساليب شعرية موجودة ومطروقة كثيرا، ومتى استخدمت بإتقان ووعي نجحت وأحدثت نقلة كبيرة للشعر وللشاعر، والأدلة على ذلك كثيرة ومعروفة.
الأسلوب الشعري ليس هو مقياس تحقق الشعر في القصيدة، فالشعر كائن زئبقي لا نستطيع الإمساك به وحصره في نظرية أو تعريف أو جملة فلسفية مقتبسة نحميها بالقوسين، فالقصيدة التي أجدها رائعة ومليئة بالشعر ومدهشة ومفاجئة ربما يجدها بعضهم ليست سوى تزويق للمفردات وضرب من الطلاسم ولعب مزعج بالكلمات، وبالمقابل قد أجد القصيدة التي يتذوقها بعضهم ويستمتع بها ويجد فيها ضالته، كلاما سطحيا تعبيرا مملا يقترب من النثر وليس لها علاقة بالشعر.
هكذا هو الشعر.. صعب ومشاكس وفاتن وقابل للجدل والاختلاف، لا يستطيع ترويضه النقاد أبدا، ولا يقدر على إثارته وتهييجه فحول الشعراء، حينما تنطفئ جذوة موهبتهم ويكبل خيالهم في قفص التكرار والتقليد.
إذا كيف نستطيع الاتفاق على جمال قصيدة معينة في ظل هذا الاختلاف والتنوع الكبير ما بين المدارس والأساليب، والفروقات الكبيرة ما بين ذائقة وذائقة أخرى، ما بين ذائقة تحب الوضوح والمكاشفة وذائقة تميل للعمق والإيغال في الغموض؟ كيف نستطيع أن نرى جميعنا قصيدة جميلة في غابة مليئة بالأشجار والعتمة؟
إن التاريخ يمتلك الجواب، ذاكرة الناس تمتلك الجواب، فمن سيل من القصائد وتلال من الورق وأسماء كثيرة من الشعراء لم يبق منها سوى القلة القليلة جدا، أسماء تحصرها أصابع طلاب المرحلة الابتدائية بسهولة، أسماء مازلنا نحفظ روائعها «عن ظهر روح»، فلماذا بقيت حتى الآن؟