Note: English translation is not 100% accurate
محمد العمري «المضيء» في ليالي الشعر الشعبي
5 مايو 2008
المصدر : الانباء
محمد العمري قادر على إحداث الدهشة، لايتقيد بالأشارات الضوئية يكتب فوق الغيم ويحلق فوق المجرة والأفلاك.
يفكر بأسلوبه الخاص ويكتب بروح فاخرة، يعطي وعطاؤه للقصيدة بغير حساب يسخط على الشعر العادي ويثور على الجملة الشعرية، يرسم بألوان الزيت فليس كل فناني الرسم لديهم القدرة على ذلك، يشعرك وأنت تقرأ له بأن الأبيات تتحدث بصوت خافت يحملك الى هاجس الموسيقى وتتمشى داخل تلك الحدائق المليئة بأجمل الزهور ذات الروائح المنعشة ترى فيها الجوري والياسمين والفل والريحان.
يهندس القصيدة، يراعي الذوق العام يتعامل مع الفصول الأربعة بكل رومانسية، يدخلك الى قاعات العزف وتدندن معه أجمل السمفونيات معه تشعر وتستشعر تلك الحياة الشعرية المتحركة داخل قصائده حياة ممتدة استثنائية وناطقة، أجمل صفة يملكها الشاعر الناجح والذي يتربع في قلوب الجماهير هو من تكون قصائده قريبة من مشاعر القارئ وتمثل تلك الاحداث اليومية التي يعيشها ويتعايش معها وليست قصائد تحمل واقعا خياليا وجملا مصفوفة لمجرد اكمال القصيدة.
ثمة مفارقة رهيبة بين شاعر الغيم وغيره، فما أجمل نزار قباني حين يقول «إنني في الشعر لا أكتب على طريقة ما يطلبه المستمعون ولا اشتغل مضاربا في بورصة الشعر ولا أفصل قصائدي حسب متطلبات السوق، هو كذلك شاعرنا يكتب ليسمع الاصم والأبكم شاعر تسافر معه وتحط رحالك أينما تكون قصائده كوكبة شعرية تضىء لتشرق تبهرك كتاباته يحمل همومك ويسافر بها، يتحدث بلسان كل عاشق ومحب للوطن وذلك المسكون بالوجع والغاضب، مائدة شعره يجلس عليها كل المستويات الصغير والكبير المحب والمفارق، كم نحن بحاجة لمثل هذا الشعر الذي يبعدنا عن حالة الصداع والحموضة بحاجة لشعر تتفتح له الخلايا وتسعد به القلوب النابضة وكما يعرف الجميع ان القصيدة امرأة جميلة لا تكبر ولا تشيخ وليس لها تاريخ ميلاد معروف ولا وطن. انها تولد كلما قرأناها وتتوهج كخاتم سليمان كلما فركناها.
وبالتأكيد الكل يردد بصوت ونبض واحد نريد شعرا يحملنا الى الغيم ويطير بنا الى فصل الشتاء حيث تتزاحم الأمطار وتضيء الشوارع وتغرد العصافير وتتسابق الأبجدية لتغرس وتحصد الأجمل في قلوبنا من أجل الجميع، يحرص شاعرنا العذب محمد العمري على ادخال البهجة والسرور الى قلب كل قارئ بمفرداته العذبة وصياغة تحترق لتضيء وفي الختام، اهديتنا الورد والمطر ولا يسعنا إلا أن نهديك التصفيق وكلمة شكر نتفق عليها جميعا بقلم واحد «انك مبدع»، ولشاعر الغيم حكايات جميله جعلتنا نحيا مع سقف الحكايات.
عصفورتي تعبت ارتب محلي
مري بصوت من زماني نهبته
غني لي الما للظما واستهلي
لا يذبل احساسي وانا ما كتبته
جميل هذا الاحساس الذي من الصعب تجميده هنا حركة شعرية متصلة بعضها مع البعض وهو ما حفر بالشعور هذا الحدث الذي يغلب عليه قالب المتعة كيف استطاع شاعرنا بحنكته الشعرية ترتيب الشعور بهده الصورة الرائعة.
قولي لهم من كثر ما احب خلي
ذوبـت صـوته فـي يدي وشربته!
هذا هو الشعر الملموس بلونه ورائحته وموسيقاه جملة موسيقية تترك صدى بالنفس وتطبع بالحواس اجمل تجسيد فتتلاءم مع احساس القارئ والمحب!
وهنا شمعدان الشعر يحتفي به:
تشبه العشق غرفتها مثل عش طاير
مـالـها بـــاب لنـه مــاله ايـــة غـــرض
وش يـرد الخشب وضلوع صدرك زراير
واصــلا البـنت لاحـبت علـيها العــوض
هندسة مهندس يجيد تحويل البيوت الشعرية الى قصور لا يسكنها إلا المتذوق للشعر مساحة شفافة من الكريستال تتزين بها اسقف قصائده ليقول:
وانطـفى الشمع والشباك فـل الستاير
واصبح الهمس شوف العاشقين لبعض
وشمعدان الشعر مازال يضيء وستائر الحب تتمايل طربا لهذا العزف المنفرد انها الرياحين التي تفوح من زوايا قصائده فتشعرك بالرضا والسعادة ويبقى رغم العولمة صامدا في وجه الطفرة الشعرية في زمن قل فيه الشعر الجميل.
حصاد العمر صـوت بالـضمير إن قلت نـام الحين
سألني: وش ينوبك من سهرك ووش تحبه لــه
وأنــام وعيني أدرى بالسنين اللي تــزيد سنين
مضت عقدين والثالث رفض يمشي على مهله
هنا تتسابق عقارب الساعة لتحتفي بهذه السنابل حين نطالب الزمن بالتوقف لنأخذ قسطا من الراحة ليهدأ الوجع ونُطبب الجرح فكان خير طبيب للقارئ في مسح الألم وتحويله الى حالة خاصة من الفرح بحضور الغيم.
أنـا باقي أنا.. رغـم السنين ولعنة التمدين
مزارع يحصد سنينه تعب من سنبله وهله
وها أنت تحصد الإبداع وتزغرد لك فصول الشعر احتفاء على هذه اللوحة الكاملة الإبهار رغم كل التطور والمدنية مازلت تجيد حسن التصرف، وكان له مع الغيم علاقة ابدية علاقة طفل يرسم على صدر السماء اول حروفه الأبجدية!
صحـت مـن نومـها.. والصـبح تــوه فـتـح عـيونـه
حـزينه.. جعله بروحي.. ياذاك الخاطر المكسور
وأنـا اتشيطن عليها شيطنة في الحب مسنونه
امـــوت فـصـوتها لاجــا بنـبرات العــتاب يـمـور!
وهل هنالك اعذب من جبر خاطر المكسور!؟ تأتي حروفه مرهما يعالج به القارئ بعضا من حروقه! ويأتي في موضع آخر ليعيدنا الى تلك الطفولة الجميلة وتلك الشيطنة التي طالما بحثنا عنها وسط زحام الحياة وندرة الشعر في زمن كثر فيه المستشعرون!
صغـيرة بـس لـبى قلبـها وشلون مـزيـونـة
يا طفلة غيم لو للشمس في شرق الملاذ قصور
وتبدو القصيدة تتنفس الصعداء فقد اثمرت فرحا وغنت طربا وغردت عصافير السماء فكان الجواب لبى قلبها، وكان للهمس نصيب آخر في قصائده:
ضاقت حناجر لقانا.. وابتدت مني
مشـاعر الصمت نظـراته.. وسلطانه
قالت: ولا همس قلت: الهمس.. ذا فني
بـس اشعـر بضيق مـن شعـري.. وقيفانه
تضيق زوايا القيفان وتنادي الأبجدية الغيم ليمطر من جديد بلغة مغايرة ذات معنى اعمق وأشمل حين يكون الصمت هو آخر الحلول حين تخرس الألسنة وتمتنع عن الأجابة! للحب لغة خاصة في توصيلها بسهولة بعيدا عن التكلفة والاسترسال المفرط!
حاصرني غيبته بالثلج.. ياخي قله
كيف اعيش بعين جمدها.. وقلب دافي
قال أحبك قبل مدة.. قلت له: قل والله
قال: والله.. قلت: يا شعري ويا مجدافي
ويعود ليحدثنا عن الغياب ذلك الزائر المخيف وكيف تتجمد كل الاشياء من حولنا فصقيعه يشعرنا بدنو الروح ومصادقة الآنين! في حين يعود بنا لمعانقة الأزهار والفل والياسمين.
آتخيليني وانا وياه ساعة فله
فوق غيمة والكفوف الغيم فوق أكتافي
ونعود مع الغيم للخيال المحبب للنفس للعيش الهانئ الذي كثيرا ما يوحي لنا بالسلامة النفسية.
يقول الاستاذ الكبير فهد عافت: ولأن الشعر كذلك يأتي محمد علي العمري موهبة لن يرحب بها الضجيج والهدر اللغوي البارد لكنها ترحب بكل نجمة ان يبست صارت اقراطا لامرأة باذخة العطر وان بقيت مبتلة بالضوء صب سهرها احيانا بل في كل حين تكفي قراءة ابيات قليلة فقط لتمكنك من الحكم على شاعر ومحمد علي العمري من هذا النوع ان لم يكن اكثف صبحا، شعره هو الذي يحكم علينا وماأزال اسأل واتساءل بعجب شديد وحسرة بالغة وبعض ضعف وتقصير كيف لم ننتبه لتجربة شاعر عملاق كهذا طوال هذا الوقت؟
المهرةصفحة الواحة في ملف ( PDF )