Note: English translation is not 100% accurate
الحزن ونحن والشعراء.. مَنْ يعشق مَنْ؟
24 مارس 2009
المصدر : الأنباء
لو كانوا يعلمون أنه يطيل العمر ويؤخر ظهور التجاعيد القبيحة لامتهنوا ممارسته بحرفية عالية، نعم إنه الضحك، ولكن كيف ونحن عرب، نستقطب جميع أشكال الحزن ونبثها عبر محطاتنا المرئية والمسموعة سماً كما لو كنا المصطفين لحمل راياته وتجديد ذكراه في أشعارنا وأحاديثنا، أكاد أجزم بأن ما يقارب الـ 70% منا لا يملكون الأسباب الحقيقية لنعتهم بالحزينين لأن ما يهب عليهم من نسمات قد لا تكون عليلة إما أن يكون سببها تافها سطحيا أو على الأقل لا يستحق كمية الحزن التي يبالغون بإظهارها، لنقلص الكلام قليلا ونحصره في نطاق الشعر وأشيائه المثيرة، لطالما نالت القصائد المطرزة بخيوط من دمع ودم إعجاب العدد الأكبر من المتلقين، أظنني أعرف السبب، قد تكون مفردات الحزن الكثيرة ومشتقاتها مغرية ومحرضة على العذوبة وتوهم القارئ بالمصداقية أكثر من نظيراتها في قائمة الفرح، كما لا أنسى سببا آخر لا يقل أهمية عن الأول وهو أنه كما أسلفت نظرا لكثرة الحزينين و«المتحازنين» بات شاعر الحزن أكثر قبولا وجماهيرية وقربا من القلب، يبدو الأمر منطقيا حيث إن الانسان بطبيعته يحب الذي يترجم مشاعره ويكتب جروحه أشعارا ويجسد معاناته قصائد. اعترف نزار قباني بزمانه اعترافا خطيرا من مجمل اعترافات مليونية لا تقل خطورة، حيث ألقى على محبوبته اللوم وسرعان ما أيدها على ذلك:
«علمني حبك أن أحزن.. وأنا محتاج منذ عصور لامرأة تجعلني أحزن..»
قد يكون احتياج قباني للحزن آنذاك احتياجا إنسانيا طبيعيا يتوق له كل منا، لأنه قال بعد ذلك:
«لامرأة أبكي بين ذراعيها مثل العصفور»
قباني في واحدة من أعلى اللحظات شفافية وأصدقها شعورا بذاته أفشى لنا جميعا أنه أخذ من الحزن حجة للارتماء في أحضانها فكان شاعرا عصفورا. أختلف مع شاعر المرأة والحب مهندس الكلمة في الأسباب والحزن واحد، حيث كان دافع حزن المهندس الغربة والظلام وما بينهما..
يا أجمل الحزن لدموعك سلام
مـن حبيب بـقـى مـنـه الكـلام
ويــن أنـا مـنـك غـربني الزمان
وخـانني النور وأبعدني الظلام
وقفت طويلا عند عبارة «يا أجمل الحزن» ربما لتناقض المفردتين، حيث نظن للوهلة الأولى أن الجمال بعيد كل البعد عن الحزن كما لو كانا خصمين، إلا أنه أثبت شعرا وشعورا أن الحزن النبيل على أمر يتعلق بالروح وأحبابها فيه من جمال النقاء الشيء الكثير إن لم يكن النقاء بذاته.
«الحزن جميل جدا»
على رأي مظفر النواب لأنه إن كان معقولا يكسب الأنفس جمالية ويشعرها بقيمة الفرح وما معنى أن تكون مبتهجا مطمئنا، لكنني لست مؤيدة لأولئك الممارسين له بشغف والمرتمين عليه كما لو كان وطنا أو مهربا أو منفى، نعم هو شعور طبيعي ومروره على كل منا وارد ولكن ما لا يعقل هو أن نتلذذ به حتى نتخذ ذلك عادة وينعكس ذلك على نظرتنا لما حولنا بالسوداوية شيئا فشيئا، أنا شخصيا وكوني وسطية بكل شيء أحبذ الحزن الوسطي، وهو إن جاز لي أن اعرفه بقليل من النكهة المرة لفترة وجيزة تقتطع عشرات الأفراح الحلوة من حين لآخر فقط لنشعر بأن الحياة كقوس القزح ليس على ذات النهج والمنوال طويلا ولكل لون جمال مختلف. أنا وبملء الفم أدعو الجميع للحزن على حال الشعر جراء عبث الدخلاء والتجار، فبعد أن كان شعورا وفكرا بات سلعة ووسيلة للتكسب والتملق والوصول.. كما أدعوهم بعد فراغهم من ثواني الحزن إلى البحث عن موارد الشعر العذبة والنهل منها ما يروي ظمأ جوارحهم المتعطشة كي تتم المعادلة ويكونوا بذلك قد أخضعوا قلوبهم لتجربتين مختلفتين مع شعورين يناقض أحدهما الآخر.. في ذلك متعة عظيمة..
أنفال القلاف
صفحة الواحة في ملف ( PDF )