إسطنبول - «الأنباء» عاطف عيسى
مساء الجمعة 15 يوليو.. لم يكن ككل مساء في تركيا والمنطقة والعالم.
فقد حُبست الأنفاس واشرأبت الأعناق، وشخصت الأبصار، وساد الترقب.. وتباطأت عقارب الساعة.
الطائرات المقاتلة تظهر في أنقرة العاصمة.. والدبابات تخرج من ثكناتها وتتجول في شوارع المدينة الرئيسية، واسطنبول العاصمة التجارية والسياحية صار مطارها ورئتها الأولى مغلقا ومحاصرا.. وجسر البوسفور الرابط بين شطريها الأوروبي والآسيوي تحت سيطرة العسكر المنقلب.
بيان أول أعلن سيطرة الجيش على السلطة وتشكيل مجلس رئاسي و... و...، وظن الجميع أن الأمر انتهى، وان ديموقراطية واحدة من أهم بلاد المنطقة ذهبت أدراج الرياح، وعادت الهيمنة العسكرية.
لكن.. لم يكن لهذا المخطط أن ينجح، وفي تركيا شعب واع، تنسم عبق الحرية لسنوات بعد أن ذاق مرارة الطغيان عقودا، فلبى نداء رئيسه بالنزول للشوارع والميادين ومواجهة العسكر المنقلب والحفاظ على ديموقراطية بلده.. ومستقبل تركيا.
لم يبزغ الفجر، فجر السبت 16 يوليو إلا وقد اندحر الانقلاب وانتصر الشعب، وكسبت الديموقراطية الجولة.
وستظل هذه الليلة علامة فارقة في تاريخ تركيا الحديثة، فتركيا قبلها، غير تركيا بعدها..
لأيام بعدها، لم يبرح الأتراك ميادينهم وشوارعهم يرفعون علم بلادهم، وفي الوقت نفسه يكرسون جهدهم لعملهم وأعينهم وقلوبهم متيقظة.
ذهبنا الى اسطنبول نرصد المشهد بعد 20 يوما على الانقلاب الفاشل، نجول في الطرقات، ونزور الميادين، ونحادث الجماهير ونقابل المسؤولين، ونفتش عن المعلومة هنا وهناك.
يومان كاملان في اسطنبول كانا كافيين لإدراك حقيقة أن الشعب التركي أثبت تمسكه بحريته وديموقراطيته، وانه لم يعد هناك مجال للعودة الى الوراء، الى الانقلابات وجمهوريات الموز، فقد انطلقت تركيا منذ نحو 15 عاما نحو مصاف الدول المتقدمة، وأصبحت في المرتبة الـ 16 اقتصاديا ولا يمكن التراجع.
يومان تاليان قضيناهما في شريط ساحل البحر الأسود نرصد الأوضاع والأحوال في النائي من البلاد، وكانت النتيجة واحدة والحقيقة واضحة لا أثر ولا تداعي لهذه المحاولة الفاشلة.
فالكل ماضٍ في طريق ترسيخ وحدة تركيا وتكريس نهضتها وفي أوردو كان الختام، وكان بالفعل مسك الختام.
يومان مضيا كلمح البصر يا «اسطنبول»، وها نحن نتهيأ للمغادرة إلى الشمال، إلى شواطئ البحر الأسود إلى إحدى جنان تركيا.
 |
|
شلال
|
إلى مملكة البندق، إلى إحدى أقدم المدن التي سكنتها البشرية إلى أوردو.. وتلك حكاية أخرى.
نظرات أخيرة على البوسفور وشواطئه الخلابة وزرقة مياهه المهجة.. قبل أن تنطلق الحافلة الصغيرة تحمل رفاق الجولة صوب مطار أتاتورك للمرة الثانية، يحاول قائدها «التركي» ألا يقع في فخ زحام اسطنبول، فيسلك طرقا فرعية وشوارع جانبية حتى اقتربنا من مبنى المطار، وتوقفت الحافلة في طابور طويل لا ندري لم لا يتحرك.. ساعة أو تزيد مرت ونحن «مستمرون في مقاعدنا» حتى اضطر بعضنا إلى النزول والسير على الأقدام نحو البوابة.
«عرف السبب، فبطل العجب» فتجنبا لأي مخاطر، ووقاية من أي اعراض ارهابية، اقاموا نقطة تفتيش على بعد 100 متر من البوابة، ويتم انزال المغادرين جميعهم من المركبات مع حقائبهم، ويجري التفتيش بدقة وسرعة في الوقت نفسه، الى جانب التفتيش الذاتي، عشرات المغادرين رأيناهم يسيرون على أقدامهم ويجرون حقائبهم، وهذه احدى مساوئ الإرهاب، وما أكثرها.
نال الارهاق من عزيمتنا ونشاطنا قليلا، لكن لم نفقد حماسنا بعد، فنحن ذاهبون إلى إحدى جنان تركيا، ولا يجب ان يعكر صفو هذا أي طارئ.
إجراءات يسيرة لم تخل من التفتيش مرة جديدة، وبكل دقة ايضا استقر بنا المقام في صالة «التركية» الفخيمة والمجهزة لراحة المغادرين، أطعمة وأشربة ومصلى وخدمات سريعة ومريحة أذهبت عنا بعض إرهاق الساعات التي مضت، ثم كانت الرحلة على متن «التركية» ايضا إلى أوردو.
من مطار أتاتورك إلى مطار أوردو تستغرق رحلة الطائرة نحو 85 دقيقة، تحلق فيها على مناطق شاسعة من الجبال الخضراء التي تأخذ بناظريك، ولما اقتربنا من المدينة دخلت الطائرة في جبال من الغيوم المتكاثفة وكأنها جبال الثلج البيضاء، ثم دلفت إلى بحر من الضباب وتساءلنا كيف يمكن لقائد الطائرة أن يهبط في هذه الأجواء وما لبث ذلك الضباب ان انقشع وبدأت ملامح المدينة الجميلة تظهر من بعيد بشاطئها البديع على البحر الاسود وجبالها الشاهقة، شاهقة فوق شاهقة، وكأنها سلسلة لا تنتهي.
مطار أوردو الصغير يلائم المدينة الصغيرة الساكنة في حضن الجبال، لم نكد نرتاح قليلا حتى فاجأنا مرافقنا العزيز «عثمان»: سنصعد على الفور إلى قمم شمباسي، فندقنا على أعلى القمة.. اسرعوا الوقت يدهمنا؟.. وكم تأخذ الرحلة إلى القمة؟ سأل الرفاق.. وباقتضاب رد عثمان: ساعتان وربما أكثر.
وتذكرت على الفور رحلتنا «بين السماء والأرض» صعودا الى جبال فيفا بمنطقة جيزان على الحدود السعودية ـ اليمنية، وصدق توقعي ما أشبه الليلة بالبارحة.
اوردو اذن، رحلة الى أعلى القمم كذلك، سنصعد نحو 2000 متر فوق سطح البحر الاسود الذي نسير على ضفافه الآن، ويغرينا بشواطئه الخلابة وقواربه الشراعية التي تبدو كمسلات بيضاء وسط الماء.
 |
|
المدينة تحوي نحو ١٦% من الانتاج العالمي من البندق
|
جبال البندق والتفاح ومزارع الفراولة، والمراعي الشاسعة المكسوة باللون الأخضر الداكن وغابات الاشجار الباسقة، تتناثر خلالها قرى صغيرة، كلما صعدت مستوى صادفت تجمعا سكنيا محدودا وكأنه محطة على الطريق الطويل المتصاعد عبر طرقات ضيقة تزيد من الإثارة، فلا تترك لعينك لحظة سكون او سنة نوم.
«فساتا» و«بارشمبا» و«أكوش» و«أونيا» وغيرها من القرى الصغيرة ترتسم حولها لوحات بديعة مما أبدعت يد الخالق في هذه البقعة من الأرض التي تمثل ملاذا لمحبي الهدوء والسكينة بعيدا عن ضوضاءات المدن وصخبها.
لا تنتهي اللوحات الإبداعية ـ فلوحة جميلة تملأ العين والنفس تتلوها لوحة أجمل بتفاصيل أشد جمالا، وهكذا تنتقل العين بين هذه الإبداعات والقلوب تخفق كلما ارتفعنا صعودا ولا تكاد ترى ما في الأسفل، والحافلة تسير على حافة الطريق، يمينك جبل تكسوه الأشجار من أشكال وأنواع متعددة، ويسارك الوادي السحيق الذي لا تدرك له قرارا، والرفاق يبدعون في النكات والطرف وحكايات وغرائب الرحلات، و«عثمان» يبتسم في وقار.. ويقول: سنصل.. سنصل.
ساعتان ونصف الساعة، ومازلنا نتطلع الى المنزل الذي سنبيت فيه ليلتنا، وبدأ الظلام يطبق على الطريق، وتسلل الخوف الى القلوب، وزاغت الأبصار قليلا، وساد الصمت الطويل، ثم لاح فندق «شمباسي» على أعلى قمة من قمم اوردو، تلامس السحاب وتنخفض عندها درجة الحرارة الى ما دون الـ 10 درجات، وسط أصوات لا تدري هل هي عواءات ذئاب ام نباحات كلاب.
 |
 |
|
عثمان ..والفراولة
|
مزارع الفراولة
|
عالم من الخيال، بعيدا بعيدا قرب السحاب، انفكاك من ضجيج الحياة وانشغالاتها.. وانقطاع الى الهدوء والتأمل، والتفات الى السكينة، سكون الليل أرخى سدوله، بنجومه الساطعات وقمره المضيء وسط موجات السحاب المتتالية عليه، أنوار خافتة من المنازل المتناثرة هنا وهناك في الأعالي، لا تكاد تُرى.
ليلة ولا مثيل لها في أعالي اوردو الساحرة المهيبة، والتي تشير مراجع تاريخية الى ان الإنسان سكنها منذ 3000 عام قبل الميلاد ويعني اسمها في اللغة التركية «معسكر الجيش» ولها من اسمها نصيب فكأن الزائر الى جبالها وقممها في معسكر مهيب لا يحب ان يغادره.
طال السهر، واستمر السمر، ومحدثنا التركي يسهب في الحديث عن المدينة وما فيها مستعينا بشاشة كبيرة مزودة بأفلام عن جمالياتها وجوانب الإبداع فيها، وعادات وتقاليد أهلها وسكانها.
العشاء في الفندق كان طعاما محليا طبخه بعض أبناء أوردو، وهو مكون من اللحم الطازج والبصل وبعض الفطائر، وبعده الحلويات التركية الشهيرة والشاي التركي.
تنفس الصبح، وتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر تجربة لا تنسى فوق قمم شمياسي، ومشهد لا يمكن نسيانه وسط ضباب متقطع، ونسيم بارد لاسع يبعث النشاط في الاجساد.
أمسكنا بكاميراتنا نتحين اللحظات والتي كانت بديعة بكل معنى الكلمة.
 |
 |
|
مطار أوردو في عرض البحر
|
مرتفعات شمباسي
|
النزول من قمة شمياسي ليس كصعودها، فمحطات النزول كانت عديدة، في كل محطة مشهد جميل وصورة بديعة ومحطة في تلال، ومحطة في مزارع الفراولة، ومحطة ثالثة مع محصول البندق المفروش على الأرض، مجففا وغير مجفف وهنا كانت المحطة الأبرز.
أوردو هي مملكة البندق بحق، ملايين الاشجار منتشرة على الجبال المقسمة بشكل طولي بين الملاك والمزارعين، وسيلتهم في القطف والحصاد هي السلالم الخشبية أو الحديدية، ويجمعون البندق في حاويات ثم يتم فرشه لتجفيفه، قبل تقشيره ثم يشحن الى المدينة ليغلف ويعبأ ويصدر جزء كبير منه الى الدول المختلفة، وهذه قصة مورد من أهم موارد المدينة التي تسمى به.
ختام رحلة الصعود كان لدى التلفريك أحد معالم المدينة، والذي يعد فرصة جيدة لالتقاط الصور البديعة لشواطئ أوردو قبل أن نحط الرحال في أجمل الفنادق راديسون بلو على إحدى القمم التي تطل على الساحل الطويل الممتد الى ساسون وطرابزون بطول أكثر من 200 كيلومتر قطعناها في رحلة العودة الى مطار طرابزون لتنقلنا «التركية» عائدة بنا الى الكويت.
4 أيام كانت ممتعة بحق في اسطنبول وأوردو، لم نستطع أن نحيط فيها بكل الأحداث والمشاهدات.. وللقصة بقية.