كنا وما زلنا نسمع أن الغاية تبرر الوسيلة، فما من غاية إلا وتحتاج الى وسيلة للوصول إليها، واليوم اختلف الأمر عما كان عليه لاختلاف طبائع الناس ومفاهيمهم، ونتيجة لهذا التغير للأسوأ قُلبت العبارة رأساً على عقب وأصبحت الوسيلة تبرر الغاية، لأن الغايات والوسائل ضلت طريقها وانحرفت عن مسارها الطبيعي، وهذا هو واقع الحال الذي نعيشه اليوم مع بالغ الأسى والأسف، فلا غاية تبرر وسيلة ولا وسيلة تبرر غاية، بل اختلط حابل الغاية بنابل الوسيلة.
ولو عدنا إلى معنى هذا المقولة المشهورة، لقلنا إن الغاية كمعنى هي الأهداف التي يخطط لها المرء مسبقا من أجل الوصول إليها وتحقيقها بوسائل شتى، أما الوسيلة فهي الطريقة التي تحقق من خلالها هذه الأهداف وقد تبنى فكرة الغاية تبرر الوسيلة وقالها المفكر والفيلسوف الإيطالي نيكولو مياكافيلي في القرن السادس عشر الميلادي، إلا أنه جعل تحقيق الغاية دون قيد أو شرط وبأي وسيلة كانت، فلا مانع أن تسرق كي تكون غنيا، ولا مانع أن تغش وتنصب وتحتال وتتلون لتحقق أهدافك، وبالوسائل التي تريدها.
والحقيقة أن كل هذه الوسائل التي ذكرتها من عمل الشيطان، وقد نهانا ديننا الإسلامي عنها نهياً قاطعاً، فشريعتنا السمحاء واضحة وضوح الشمس في ضاحية النهار، فكيف لي أن أصل إلى أهدافي بأي وسيلة كانت! ومن شرّع هذا القانون لنا وبكل الأديان السماوية؟ وهو محرم شرعا وإنسانيا وأخلاقيا، وهذا ما لا يمكن أن يكون ولا يمكن قبوله على الإطلاق، فالحمد لله على نعمة الإسلام دين الأمن والسلام، إسلامنا الذي أنار لنا طريقنا وهدانا سبيل الرشاد، وقامت أركانه لصالح البشرية، فنحن نعلم وندرك انه إذا فسدت الوسيلة فسدت الغاية وإذا فسدت الغاية فسدت الوسيلة.
إن الغايات النبيلة لا يمكن الوصول إليها إلا بالطرق النبيلة المشروعة وليس بالطرق الملتوية وغير المشروعة، ولابد للغاية والوسيلة أن تخرجا من مشكاة الإسلام وبوتقتها، وقد استثنى المولى عز وجل الاضطرار والحاجة الشديدة، فقال تعالى: (إلا ما اضطررتم إليه..) (الأنعام: 119) على قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، ولكن بشروطها وأحكامها.
وبما أن هذا المفكر صاحب مقولة «الغاية تبرر الوسيلة» قد مات وشبع موتا، فنحن نتقدم بالاعتذار إلى أحفاد أحفاد أحفاده، ونقول له ولهم بوضوح ودون أدنى شك: عذرا، الغاية لا تبرر الوسيلة، فقد علمنا إسلامنا أن نسعى إلى كل ما هو مشروع ومباح، أما ما سوى ذلك فنحن منه براء ولا نقر به، فلا نريد بلوغ غاياتنا بطرق مبنية على الخطأ، فكل عظماء التاريخ وعلى رأسهم خير البشر وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وصلوا الى أهدافهم وغاياتهم بمواقفهم الثابتة ومبادئهم الصادقة وبوسائل بنيت على الفضيلة والصدق والأمانة والخلق الكريم، ولن نرضى عنها بديلا، فكيف بمن يستخدم الكذب كوسيلة لتحقيق غاياته، وقد قال لنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الرجل يكذب ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا».
فلا نقبل على أنفسنا أن نكتب عند الله من الكذابين، ولا شك أن الحديث ذو شجون، وأكتفي بما ذكرته.
ودمتم سالمين.