الأمثال مرآة الشعوب، وعصارة تقاليدها ورؤيتها للحياة، وما من مثل إلا وقيل عن حكمة، وهي أرق وألطف من الشعر وأكثر شهرة، هذه مقولة صادقة ولا تقبل القسمة على اثنين فهي من واقع الحياة، ومن يسير على نهج وهدي هذه المقولة يرشد ويأخذ بطريق الصواب، وقد روي عن الإمام علي رضي الله عنه وكرم وجهه أنه قال: «ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال حضر أهله، وليس كل ما حضر أهله حان وقته، وليس كل ما حان وقته صح قوله» ومن الأصول والمنطق ألا نعلن كل ما نعرفه فربما جلب الإعلان عن ذلك الضرر لنا أولا ولغيرنا ثانيا ونحن في غنى عن كل ذلك، والبلاء موكل في المنطق وآفة المرء لسانه، ورب كلمة قالت لصاحبها دعني، وقد ابتلينا بأناس يقولون كل ما يعرفون ولا يحسبون حسابا لغيرهم ولكنهم في النهاية يورطون أنفسهم ويندمون بعد فوات الأوان، وزلة اللسان أشد وقعا من زلة السنان، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبيل النجاة فقال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» وقال حكيم العرب أكثم بن صيفي التميمي: عيوب الإنسان أكثر من أن تعد أو تحصى، ولكن هناك خصلة واحدة إن استعملها الإنسان سترت عيوبه كلها وهي حفظ اللسان، وقد أحسن بعقوب بن السكيت حيث يقول:
يصاب الفتى من عثرة في لسانه
وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته بالقول تودي برأسه
وعثرته بالرجل تبرأ على مهل
فعثرة القدم أخف وأسلم من عثرة اللسان، ومن الحكمة والمصلحة العامة للمجتمع ألا نتحدث بكل ما نعرف، فكثير مما نسمعه لا يخلو من الكذب والتجني والبهت، وقد قال المولى عز وجل (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) «ق: 18» وفي رواية مسلم: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب. هذا ودمتم سالمين.