- الغزو كان «صدمة» لجميع الكويتيين.. وتخويف الأطباء الأجانب وتطفيشهم أثّرا في الخدمة الصحية خلال هذه الفترة
- التعامل كان مع مؤسسات عسكرية لها نمطها الخاص.. أخطرها المخابرات العراقية التي لا تعرف سوى الموت
- قوات الاحتلال العراقية نهبت 35 مركزاً صحياً و129 عيادة أسنان واستولت على 130 سيارة إسعاف مجهزة
- الجيش المحتل سرق أدوية المستودعات الطبية في منطقة صبحان ومخزن شركة الصناعات الدوائية والأجهزة التابعة لها
حوار: عبدالكريم العبدالله
روى وزير الصحة الأسبق د.محمد الجارالله تفاصيل صمود القطاع الصحي أثناء الغزو العراقي الغاشم، حيث أكد أن القطاع الصحي ظل «صامدا»، وكان يوصل الى حكومة الكويت بالخارج جميع القرارات الإدارية العراقية عن طريق المقاومة الكويتية أو بعض الأطباء الأجانب الذين يغادرون البلاد لكي يعرفوا جميع التحركات العراقية داخل البلاد. وأشار في حوار خاص مع «الأنباء» الى أن الحالة النفسية التي تعايشت معها الطواقم الصحية خلال الغزو كانت مأساوية، وذلك لأن التعامل كان مع مؤسسات عسكرية لها نمطها الخاص، وكان أخطرها المخابرات العراقية التي لا تعرف سوى الموت. وبين أن أهم الدروس المستفادة من الغزو الغاشم هو الاتحاد والتلاحم بين الكويتيين، وتعلم الصبر، وهو الدرس الذي تعلمناه أثناء الغزو العراقي الغاشم، حيث كنا جميعا يدا واحدة ضد هذا العدوان، داعيا إلى أن يكون حب الكويت ومصلحتها والانتماء إليها فوق المصالح الشخصية. وفيما يلي تفاصيل الحوار:
بداية، كيف استقبلتم خبر الغزو العراقي الغاشم للكويت؟
٭ أود أن أقول أولا ان الغزو كان «صدمة» لجميع الكويتيين، وكان صدمة للقطاع الصحي الذي صمد حتى النهاية في ظل انهيار جميع مؤسسات الدولة، وتلك الأيام كانت صعبة جدا، وكنا نواجه الموت في كل لحظة خاصة عندما بدأت مجاميع الأطباء والفنيين بالمجيء الى المستشفى العسكري الذي كنت أعمل فيه رئيسا لقسم الحوادث والطوارئ، حيث استطعنا ان نوفر أقساما متكاملة تقدم العلاج والخدمات لكل المحتاجين في نوبات عمل متصل طوال اليوم، وظل القطاع الصحي صامدا وكان يوصل الى حكومة الكويت بالخارج جميع القرارات الإدارية العراقية عن طريق المقاومة الكويتية أو بعض الأطباء الأجانب الذين يغادرون البلاد لكي يعرفوا جميع التحركات العراقية داخل البلاد.
ماذا عن الحالة النفسية للأطباء؟
٭ الحالة النفسية التي تعايشنا معها خلال الغزو كانت مأساوية، وذلك لأن التعامل كان مع مؤسسات عسكرية لها نمطها الخاص، وكان أخطرها المخابرات العراقية التي لا تعرف سوى الموت.
وأدى العدوان إلى تطفيش الأطباء الأجانب وتخويفهم مما أثر على الخدمة الصحية خلال فترة الغزو، كما أن الغزو العراقي الغاشم أظهر معدن الرجال والوحدة الوطنية، ونسأل الله ألا يعيده، ويحفظ بلادنا من كل شر.
هل وصل الطغاة إلى المستشفيات؟
٭ نعم، قوات الاحتلال بدأت بالتوافد على المستشفى بعد اجتياحها الكويت بأسبوع وبدأ الجرحى يأتون بالعشرات إلى قسم الحوادث نتيجة زيادة المقاومة يصحب كل مجموعة منهم اثنان من أفراد الشرطة العسكرية العراقية بحيث وصل العدد الى 300 جريح أجريت لستة منهم عمليات جراحية تكللت بالنجاح مما جعلهم يبكون بين أيدينا، مؤكدين عدم اقتناعهم بالعدوان على الكويت.
هل قمتم بتوفير خدمات صحية أثناء الغزو للكويتيين؟
٭ نعم، قمنا بتوفير خدمات صحية مقبولة «وكان أمرا حيويا بالنسبة لأبناء الكويت المتواجدين في الداخل ولعب دورا كبيرا في صمودهم وثباتهم خاصة بعد ان انتهت صدمة الأيام الأولى التي أصابت الجميع بالارتباك.
حدثنا عن صمود الأطباء الكويتيين في المستشفيات؟
٭ بالتأكيد، كان الأطباء الكويتيون والطواقم الصحية الأخرى قدوة ومثالا للصمود والمقاومة والتضحيات، كما كان لمدراء المستشفيات من أمثال الدكاترة سليمان الفلاح ويوسف النصف ومحمد الشرهان، والذين لم يغادروا مقار عملهم لمدة شهر كامل مثالا وقدوة دفعت الأطباء والممرضين والفنيين الى الاستمرار في أداء الواجب».
ماذا كان دور الكوادر الطبية أثناء الغزو؟
٭ الدور الذي قام به الكادر الطبي العامل في وزارة الصحة خلال فترة الاحتلال البغيض كان فعالا حيث حرص الكثير من أفراده من أطباء وممرضين وفنيين على استمرار تقديم الخدمات الطبية لرجال المقاومة وللمواطنين والمقيمين دعما لصمود أبناء الوطن في مواجهة المعتدين.
ما أصعب اللحظات التي واجهت الكوادر الطبية؟
٭ على الرغم من صعوبة وخطورة الأحداث، إلا أن الكادر الطبي حرص على استمرار أداء المستشفيات والمستوصفات لرسالتها وعمل في الوقت نفسه على إنشاء عيادات أخرى غير رسمية لتكون بعيدة عن أعين قوات الاحتلال العراقي لتقديم الخدمات لأفراد المقاومة والمواطنين.
تنسيق كامل
كيف كان التنسيق الطبي مع المستشفيات والجهات الأخرى أثناء الغزو؟
٭ كانت هناك حالة من التنسيق الكامل بين الأطباء الكويتيين وإدارة مستشفى مبارك الكبير وجمعية الهلال الأحمر الكويتي وإدارة الطوارئ الطبية لتنظيم دورات مكثفة بشكل يومي يوميا، حيث إن كل واحدة منها امتدت لـ 3 أيام بغرض تنوير وتثقيف المرضى حول طرق الإسعافات الأولية ونقل المرضى الى المستشفيات والمراكز الصحية مما دفع سلطات الاحتلال الى إغلاق الهلال الأحمر واعتقال 5 من أعضائه لمدة زادت على الشهر الكامل.
هل استمر هذا التنسيق؟
٭ نعم، حيث أصبح أكثر تنظيما في إدارة الخدمات الصحية من خلال تشكيل «لجنة من مدراء المستشفيات الموجودين في الكويت وهم الأطباء صلاح العتيقي وسليمان العلي ومحمد النصف ومحمد الشرهان وعادل العصفور وعهدي الغانم وعادل التوحيد».
وقامت اللجنة بالتنسيق مع لجان التكافل بوضع خطة تضمن استمرار تقديم الخدمات الطبية وعلى مستوى عال على الرغم من نقص الامكانيات وازدياد المخاطر».
وبموجب الخطة تم تحديد سرداب أو أكثر في كل منطقة لا يعرفه إلا عدد قليل من سكانها وتم تحديد اسم طبيب مسؤول للإشراف على السرداب والذي كان الغرض من إنشائه معالجة رجال المقاومة بعيدا عن أعين قوات الاحتلال والتعامل مع الحالات العاجلة والحرجة بين المواطنين».
وأمرت اللجنة في فترة أخرى لاحقة «بسحب المعدات والأدوية من السراديب لإبعاد وتضليل قوات الاحتلال ووزعت ما أمكن استخدامه منها على المواطنين والمقيمين للقيام بتقديم الخدمات الصحية بالتعاون مع لجان التكافل واللجان الشعبية في ظل زيادة الحالات المرضية العضوية والنفسية كضغط الدم والبول السكري وأمراض القلب.
خيانة وغدر
ماذا عن المواقف المؤلمة خلال الغزو؟
٭ الغزو بأكمله كان ألما كبيرا بالنسبة للكويتيين، والألم جاء بعد خيانة وغدر من قبل العدوان الغاشم، ومن المواقف المؤلمة قيام سلطات الاحتلال بإعدام نائب مدير مركز الكويت لمكافحة الســـرطان واثنين من العاملين في العـــــلاقات العامة بالمركز و9 متـــطوعين في مستشفى العـــدان وذلك بتهمة التعاون مـــع رجال المقاومة الكويتية.
هل حدثت سرقات للمواد الطبية؟
٭ نعم، قامت قوات الاحتلال بنهب 35 مركزا صحيا و129 عيادة أسنان وسرقة 130 سيارة إسعاف بالإضافة الى أدوية المستودعات الطبية في منطقة صبحان ومخزن شركة الصناعات الدوائية والأجهزة التابعة لها.
ما أصعب قرار واجهته خلال الغزو؟
٭ أصعب قرار واجهناه على الإطلاق كان قرار نقل الأطباء الكويتيين الى المحافظات العراقية ترسيخا لزعمهم المعروف ان الكويت هي المحافظة الـ 19.
وقد شملت أوامر النقل 130 من العاملين في وزارة الصحة منهم 13 كويتيا، وقد رفض الكويتيون تنفيذ أوامر النقل واختفوا داخل بيوتهم حتى بدأت حرب تحرير الكويت وهروب قوات الاحتلال.
هل تدهورت الخدمات الصحية في ذلك الوقت؟
٭ نعم بالتأكيد، كانت الحالة التي وصلت إليها الخدمات الطبية متدهورة في ظل الاحتلال وتدني الإمكانيات المتوافرة، إلا انه تمت الاستعانة بسيارات المواطنين لاستخدامها كسيارات إسعاف بعد رسم علامة الهلال الأحمر على جانبها وتخزين الأدوية في بيوت المواطنين ومخازن اللجان الخيرية لإبعادها عن أعين المحتلين.
كلمة أخيرة.
٭ الاتحاد والتلاحم وتعلم الصبر هو الدرس الذي تعلمناه أثناء الغزو العراقي الغاشم، حيث كنا جميعا يدا واحدة ضد هذا العدوان، ويجب أن يكون حب الكويت ومصلحتها والانتماء إليها فوق المصالح الشخصية.
تحويل المستشفى العسكري إلى «عراقي» وتهريب 240 من العاملين فيه
لدى سؤاله عن قرار الغزاة العراقيين بشأن تحويل المستشفى العسكري الى مستشفى عراقي، وكيف سارت الأمور، قال وزير الصحة الأسبق د.محمد الجارالله، إن قوات الاحتلال حولت المستشفى العسكري الى مستشفى عراقي وتم تهريب 240 من الهيئة التمريضية العاملة في المستشفى العسكري الى مستشفى مبارك وتسكينهم فيه مما أدى الى توقف العمل داخل المستشفى المحتل.
وأضاف: قمت بتغيير مكان عملي وانتقلت الى مستشفى الصباح وقمت باستبدال قياداته بقيادات كويتية وتكوين مجموعة عمل لإدارته، حيث استطعنا التعامل مع الظروف الصعبة التي كانت قائمة وقدمت العلاج اللازم لرجال المقاومة واستخدمت شفرة خاصة لاستدعاء الجراحين الى السراديب التي كانت تستضيفهم داخلها بعيدا عن جنود الاحتلال.
وتابع الجارالله: استمر تقديم الخدمات الطبية، وكان سببا لاستمرار صمود الشعب الكويتي واستمرار مقاومته للغزاة، وكان بنفس أهمية توفير الطعام وسبل العيش المختلفة، وكان أيضا شهادة للكادر الطبي الكويتي وبرهانا على أن ما أنفقته الكويت على أبنائها ارتد إليها وفاء وعطاء في أصعب محنة واجهتها.