للحسد أسباب كثيرة تجعل النفس المريضة تقع في حبائل تلك الخصلة الذميمة، قال الجرجاني «التفاضل داعية التنافس، والتنافس سبب التحاسد، وأهـــل النقص رجلان: رجل أتاه التقصـير مــن قبـله، وقعد به عن الكمال اختياره، فهو يساهم الفضلاء بطبعه، ويحنو على الفضل بقدر سهمه. وآخر رأى النقص ممتزجا بخلقته، ومؤثلا في تركيب فطرته، فاستشعر اليأس من زواله، وقصرت به الهمة عن انتقاله، فلجأ إلى حسد الأفاضل، واستغاث بانتقاص الأماثل، يرى أن أبلغ الأمور في جبر نقيصته، وستر ما كشفه العجز عن عورته، اجتذابهم إلى مشاركته، ووسمهم بمثل سمته».
وفصل الغزالي أسباب التحاسد في عدة أمور هي:
التعزز: وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره، فإذا أصاب بعض أمثاله ولاية، أو علما، أو مالا خاف أن يتكبر عليه، وهو لا يطيق تكبره، ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه، وتفاخره عليه، وليس من غرضه أن يتكبر، بل غرضه أن يدفع كبره، فإنه قد رضي بمساواته مثلا، ولكن لا يرضى بالترفع عليه.
الكبر: وهو أن يكون في طبعه أن يتكبر عليه، ويستصغره، ويستخدمه، ويتوقع منه الانقياد له، والمتابعة في أغراضه، فإذا نال نعمة خاف ألا يحتمل تكبره ويترفع عن متابعته، أو ربما يتشوف إلى مساواته.
التعجب: يجزع الحاسد من أن يتفضل عليه من هو مثله في الخلقة، لا عن قصد تكبر، وطلب رياسة، وتقدم عداوة، أو سبب آخر من سائر الأسباب.
الخوف من فوت المقاصد: وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد، فإن كان واحد يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عونا له في الانفراد بمقصوده، ومن هذا الجنس تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلب الأبوين مثلا.
حب الرياسة وطلب الجاه: وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون، إذا غلب عليه حب الثناء، واستفزه الفرح بما يمدح به من أنه واحد الدهر، وفريد العصر في فنه، وأنه لا نظير له، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم لساءه ذلك.
خبث النفس، وما أدراك ما خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى: فإنك تجد من لا يشتغل برياسة وتكبر ولا طلب مال، إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله تعالى فيما أنعم الله به عليه يشق ذلك عليه، وإذا وصف له اضطراب أمور الناس، وإدبارهم، وفوات مقاصدهم، وتنغص عيشهم فرح به، فهو أبدا يحب الإدبار لغيره، ويبخل بنعمة الله على عباده، كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته.
فالحسد والخبث والحقد الدفين معمي قلوب أهله قبل العيون، هو بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها، وهو من الأخلاق المذمومة والطبائع اللئيمة ومن كبائر الذنوب.
وهذا لا شك يدل على خبث النفس وظلمها وانحرافها وعدم إيمانها الإيمان الصارف عن الباطل، والمعين على الحق لضعفه، لهذا حذر منه النبي ﷺ، فقال: «إياكم والحسد».