في زحمة هذا العصر المتسارع، وعلى أرصفة الضوء البارد المنبعث من شاشات أجهزتنا، نشأت مجتمعات جديدة.. لا تبنى بالحجارة، ولا تقاس فيها الأعمار بالسنوات، بل تختزل القيمة الإنسانية فيها بعدد المتابعين، وقيمة المنشور بكم التفاعل، إنه عصر التواصل الاجتماعي الحديث، أو كما أحب أن أسميه: عصر «التحلل الناعم».
الذي كان ومازال، للأسف، ممتدا إلى هذا اليوم، بالتسلل إلى تفاصيل حياتنا كما يتسلل الماء في الشقوق. بدأ كوسيلة للتقارب، ثم تحول أداة للانكشاف، ثم ما لبث أن أصبح وحشا يعيد تشكيل الوعي الجمعي، يطوع الذوق العام، ويهدم المعايير التي صاغتها الإنسانية عبر قرون من الصراع بين العقل والغريزة، بين الفضيلة والسقوط.
اليوم، نعيش في عالم لا تقاس فيه مكانة الإنسان بمساهمته الحضارية أو فكره النير، بل بقدر ما يستطيع استغلال جسده، أو بيته، أو أطفاله.. إلخ، ليصنع محتوى «ترند»!
وحتى مظاهر الاحتفالات لدينا الآن، أصبحت مع الأسف غير معبرة عن الفرح والهوية بقدر ما صارت تمثل حالة من الابتذال والابتعاد عن روح الذوق العام.
فأي فكر هذا الذي يسوق للسذاجة والسطحية تحت شعار «الحرية والحداثة»؟ وأي حضارة تلك التي تحتفي بمن يخلع حياءه قبل قميصه ليكسب جمهورا؟ أو بمن يسوق أهله كمنتج ترويجي؟ أليست هذه عبودية جديدة؟ عبودية مغطاة بكلمات منمقة لا تخفي رائحة الانحطاط التي تفوح منها.
إننا أمام مشهد أشبه بمسرحية سريالية، حيث يتصارع الإنسان مع صورته على الشاشة، ويصبح مستعدا للتضحية بجوهره ليحافظ على وهج صورته الافتراضية.
لم يعد الإنسان يعرف من خلال أفكاره أو أخلاقه أو إنجازاته، بل من خلال «البراند الشخصي» الذي يصنعه لنفسه، ولو كلفه ذلك أن يهدم جدار الحياء، ويطأطئ رأسه أمام التفاهة.
فما نراه اليوم لم يكتف بتشويه الوعي فقط، بل عمد إلى تدمير الحياء الجمعي، فالذي كان يستحي منه في السابق، بات اليوم مفخرة يتسابق الناس على تقليده، وكل ما يخالف قيم الحياء والحشمة والوقار لم يعد يقابل بالنفور! بل بالتفاعل.
وهناك من جعل من جسده وسيلة للتسويق، ومن عرضه وسيلة للربح، ومن خصوصيته حكاية يبيعها للجمهور الرخيص، الذي يصفق لكل صخب، ويلاحق كل صورة، ويغذي هذا الوحش دون أن يشعر.
فإلى أين نمضي؟ إن خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في الانحلال الأخلاقي، بل في ضياع المعنى من الحياة، حين تصبح القيمة مرتبطة بالصورة لا بالمضمون، وحين تتآكل المعايير حتى تنقلب الحقائق، فيصبح الإنسان آلة خاوية، يلهث وراء فراغ، ويعيش وهم الإنجاز دون أثر حقيقي.
إن مقاومة هذا السقوط لا تبدأ من المنصات، بل من الداخل: من استعادة الحس النقدي، من إعادة تعريف «النجاح» و«القيمة»، فنحن بحاجة اليوم إلى ثورة أخلاقية فكرية، لا تهاجم التكنولوجيا بل تعيد توجيهها.
فلنختر أي مرآة نريد أن نكون.