الغنى الكفاية والاستغناء وعدم الحاجة إلى الغير، والغني هو الله سبحانه وتعالى الذي استغنى عن خلقه والخلائق تفتقر إليه، وأفضل الغنى على الإطلاق غنى النفس، ففيه العزة والكرامة وهو من معالي الأخلاق وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس». متفق عليه.
لذلك نرى بعضا من الأغنياء والميسورين فقراء الأنفس، يجتهدون في زيادة ما لديهم لشدة شرههم وحرصهم على الدنيا وكأنهم مخلدون، أما غني النفس فهو راض وقانع بما قسمه الله له، موقنا أن ما عند الله لا ينفد، كما أنه لا يتطلع لما في أيدي الناس، لأنه يضع نصب عينيه قول الباري عز وجل (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) [طه: 131].
ومن صور غنى الأنفس أن الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب النحو كان رجلا عاقلا حليما وقورا قنوعا راضيا بما قسمه الله له، لا يملك من حطام الدنيا شيئا، مع أن أصحابه يكسبون بعلمه الأموال وهو مقيم في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين، فطلبه والي فارس والأهواز سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة ليعلم أبناءه وبعث له رسولا معه بصرة دراهم فرفض ذلك وهو أحوج ما يكون إلى المال، وكتب لسليمان قائلا:
أبلغ سليمان أني عنه ذو سعة
وفي غنى غير أني لست ذا مال
فالفقر في النفس لا في المال نعرفه
ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
من هنا أقول إن السبيل إلى غنى النفس هو الرضا بما قدر الله وأعطى، والثقة بأن ما عنده خير وأبقى، وأن المال في يد الشره البخيل فقر ومذلة، وفي يد القانع الكريم غنى ومعزة، ودمتم سالمين.