يقول التابعي الجليل سفيان الثوري رحمه الله: «تعلمنا القرآن للعمل به، وتعلمه غيرنا للدنيا»، وهي مقولة تختصر منهجا عظيما وفهما عميقا لرسالة القرآن الكريم، الذي لم ينزل ليحفظ في الصدور فقط، بل ليترجم سلوكا ومنهج حياة.
وقد تجلى الاهتمام بالقرآن الكريم مؤخرا في فوز عدة جهات إسلامية بجوائز ودروع وتكريمات في هذا المضمار الطيب، ومن ذلك فوز جمعية الإصلاح الاجتماعي بالدرع الذهبية في مسابقة الكويت الكبرى لحفظ القرآن الكريم وتجويده - الدورة الثامنة والعشرين، التي تنظمها الأمانة العامة للأوقاف في الكويت. كما حصدت جمعية الماهر بالقرآن درع التفوق العام، فيما نالت جمعية بيادر السلام النسائية الدرع الفضية، متفوقة بذلك على 54 جهة حكومية وأهلية شاركت في المسابقة.
ولا شك أن هذا الإنجاز يعكس الجهود الكبيرة التي تبذلها الجمعيات الإسلامية في خدمة كتاب الله، وتعليمه، وتحفيظه لمختلف فئات المجتمع، وهو جهد يشكر ويثمن، لما له من أثر عظيم في بناء جيل متمسك بكتاب ربه، مؤد لأوامره، مبتعد عن نواهيه، فعندما ينتشر حفظ القرآن بين الشباب والفتيات، يسهم ذلك في صناعة مجتمع تسوده القيم الإسلامية، ويعمه الأمن والأمان، ويحفظه الله بحفظ أفراده لكتابه الكريم.
غير أن العناية بالقرآن لا تكتمل بالحفظ وحده، بل يجب أن تستكمل بتزكية النفوس والتربية الإيمانية، حتى يكون القرآن وسيلة للعمل به لا مطية للدنيا أو للشهرة أو للمال أو هوى نفس. فقد ظهر في زماننا من حفظ القرآن، ثم استخدم حفظه ورمزيته لتحقيق مكاسب دنيوية، لا تعظيما للقرآن، بل توظيفا للشهرة، فاستخدمت هذه المكانة في الدعاية للماركات التجارية، والترويج للرفاهية المبالغ فيها، بل وتحول بعضهم إلى أداة لضرب المخالفين والتشهير بهم، مستغلين ثقة الناس بهم وتأثير الكلمة.
وقد حذر الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه من هذا المسلك الخطير، فقال: «سيأتي زمان يقرأ فيه قوم القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يتخذونه مزامير، يقيمونه ليأكلوا به»، في إشارة واضحة إلى أن هناك من يجعل القرآن وسيلة للرزق والوجاهة لا منهجا للهداية والعمل.
وفي هذا السياق، يؤكد التابعي الفضيل بن عياض، رحمه الله، على مكانة حامل القرآن بقوله: «حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيما لحق القرآن». وهي رسالة تزكية واضحة، تؤكد أن حفظ القرآن مسؤولية عظيمة، وسلوك يسبق الصوت الجميل والترتيل الحسن، وأمانة قبل أن يكون لقبا أو شهرة.
إن الجمع بين حفظ القرآن وتزكية النفس هو الطريق الصحيح للمحافظة على شرف هذه النعمة العظيمة، فالحفظ بلا تربية قد يفقد أثره، ولا يصلح حال الأمة إلا بقرآن محفوظ في الصدور، معمول به في السلوك، ومعظم في الواقع.