بينما يترقب العراقيون تشكيل حكومة جديدة لإدارة بلادهم بعد الانتخابات البرلمانية التي أجريت في نوفمبر الماضي، تقفز إلى السطح سلسلة إجراءات تقشفية مفاجئة ومتسارعة فرضتها حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني، ما أثار ردود أفعال متباينة وقراءات متناقضة بخصوص الوضع الاقتصادي العام في بلد يمتلك رابع أكبر احتياطي للنفط في العالم ويعد ثاني أكبر منتج له في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوپيك).
ولا تخطئ عين المتتبع تحول الاهتمام العراقي العام في الأيام القليلة الماضية من ملفات: الأمن ومكافحة الإرهاب والتطورات السياسية إلى الاقتصاد والضرائب والسياسات المالية، إذ ضجت المساحات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي بشكاوى مواطنين عراقيين من زيادات مفاجئة ومتفاوتة في أسعار خدمات الماء والكهرباء والرسوم والضرائب.
وجاء ذلك في وقت تظاهر فيه مقاولون للمطالبة بمستحقاتهم المالية المتأخرة فيما هددت نقابتهم بمقاضاة الحكومة في حين تحدث موظفون عن «تأخر صرف رواتبهم الشهرية لأيام عن مواعيدها المحددة».
كما انتقد تجار زيادة التعرفة الجمركية التي أقرت مطلع شهر يناير الجاري على مختلف السلع والخدمات بما فيها الأدوية التي قفزت تعرفتها إلى عشرة أضعاف وفقا لنقابة الصيادلة العراقيين.
من جهته، رأى قائمقام قضاء (الرطبة) بمحافظة (الأنبار) عماد الريشاوي في تصريح صحافي أن زيادة التعرفة الجمركية كادت أن توقف بالكامل حركة التبادل التجاري مع الأردن عبر منفذ (طريبيل) الحدودي إذ تراجع عدد الشاحنات المحملة بالسلع القادمة عبره من الأردن إلى العراق إلى 10 شاحنات يوميا مقارنة بأكثر من 200 شاحنة سابقا.
وتعكس هذه المؤشرات حجم الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العراق حاليا بسبب تقلبات أسعار النفط الذي تشكل إيراداته نحو 92% من إجمالي موارد الموازنة العامة للبلاد من جهة واتساع الالتزامات المالية العامة للحكومة والتي تشكل رواتب الموظفين والمتقاعدين وإعانات الرعاية الاجتماعية الجزء الأكبر منها بنحو 9 تريليونات دينار عراقي شهريا (6.8 مليارات دولار أميركي) من جهة أخرى.
ومضى رئيس حكومة تصريف الأعمال العراقية محمد شياع السوداني بفرض سياسات اقتصادية حازمة لتطويق الأزمة المالية في بلاده وعقد لأجل ذلك 4 اجتماعات في أقل من شهر واحد للمجلس الوزاري للاقتصاد بداية من 15 ديسمبر الماضي وحتى الخامس من يناير الجاري ناقشت مختلف الجوانب التي يمكن أن تحد من الإنفاق الحكومي وتعظم الإيرادات المالية.
كما ترأس السوداني في الـ 18 من ديسمبر الماضي اجتماعا خاصا لمتابعة تنفيذ حوكمة النظام الضريبي الشامل في العراق ووجه بإجراء تقييم وإعادة هيكلة لجميع منظومات الإدارة الضريبية التي تعول الحكومة عليها كثيرا لتعظيم إيرادات الدولة.
وطبقت الحكومة العراقية بدءا من الأول من يناير الجاري التعرفة الجمركية الجديدة بزيادة تتراوح من 5 إلى 30% على السلع والمنتجات المستوردة وفقا لما صرح به مسؤولون في الجمارك العراقية لوكالة الأنباء العراقية، كما فرضت في منتصف ديسمبر الماضي ضريبة 20% على تعبئة رصيد الهاتف النقال وخدمات الإنترنت وفقا لقرار مجلس الوزراء رقم 1083 لسنة 2025.
بيد أن إجراءات الحكومة وقراراتها الاقتصادية الأخيرة لم ترق للعديد من أعضاء مجلس النواب (البرلمان) العراقي الجديد الذي يفترض أن يصوت لحكومة جديدة في غضون أسابيع قليلة فقط وقد يكون السوداني نفسه مرشحا لرئاستها برؤاه الاقتصادية تلك وخططه المالية.
وقالت النائب عن ائتلاف «دولة القانون» منى الغرابي في بيان إن الإجراءات الاقتصادية لحكومة تصريف الأعمال «تفتقر لأي سند قانوني ودستوري» وإن فرض الضرائب والرسوم وتعديلها «من الصلاحيات الحصرية» لمجلس النواب وفقا للمادة (28/ أولا) من الدستور العراقي التي نصت صراحة على أن «لا تفرض الضرائب والرسوم ولا تعدل ولا تجبى ولا يعفى منها إلا بقانون».
وأضافت: «نحن كأعضاء في مجلس النواب سنقف بوجه هذا التخبط الحكومي لما له من آثار سلبية مباشرة على المواطن العراقي الذي يعيش هذه الأيام حالة من القلق والحيرة في ظل إجراءات حكومية غير مدروسة تحمله أعباء مالية إضافية».
وخلافا لذلك، أثنى مختصون بالمال والاقتصاد على الإجراءات الحكومية الأخيرة وقللوا من تأثيراتها السلبية على المواطن العراقي ورأوا أنها بحاجة إلى إجراءات أخرى بعيدة الأمد لدعم الاقتصاد العراقي وتنويع موارده.
وفي هذا الإطار، قال الخبير المالي والاقتصادي العراقي محمود داغر لـ (كونا) إن القرارات الاقتصادية للحكومة الحالية لم تكن مفاجئة أو متسرعة بل هي نتاج مناقشات طويلة لمعالجة الأزمات الاقتصادية وتهدف لوضع الحلول المناسبة عبر تعزيز الإيرادات غير النفطية.
ورأى داغر أن الحكومة العراقية المقبلة لابد أن تلتزم بإجراءات الحكومة الحالية لأنه «لا خروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة في العراق من دونها» وأن «بقاء الاقتصاد العراقي أسير النفط خطا كبير ولابد من الابتعاد عن الاقتصاد الريعي».
ورأى أن قرارات بغداد هذه ستكون ناجحة على الأمد القصير ويفترض وضع إجراءات إضافية على الأمدين المتوسط والبعيد لتنويع الاقتصاد العراقي وتغيير البنية الاقتصادية عبر إيجاد منافذ جديدة لتوليد القيمة المضافة بعيدا عن النفط.
وتأتي الإجراءات الحكومية تلك متناغمة مع الرؤى التي طرحها صندوق النقد الدولي في بيان منتصف مايو 2025 في ختام بعثة رسمية لخبرائه للقاء المسؤولين العراقيين.
وشخص الخبراء مكامن خلل كبيرة في الاقتصاد العراقي بينها تراجع نمو القطاع غير النفطي في العراق إلى 2.5% في عام 2024 مقابل 13.8% في العام الذي سبقه، وتزايد العجز المالي العام في عام 2024 إلى 4.2% من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بـ 1.1% في العام الذي سبقه.
وأشار بيان الصندوق إلى ازدياد مواطن الضعف بسبب «التوسع الكبير» في المالية العامة جراء سياسات التوظيف المعمول بها حاليا وتكاليف الأجور المترتبة عليها ما فاقم الاعتماد على عائدات النفط وزاد سعر برميل النفط المطلوب لتصفير العجز في الموازنة، إلى نحو 84 دولارا في عام 2024 مرتفعا من 54 دولارا في عام 2020.
ونصح خبراء صندوق النقد الدولي في بيانهم السلطات العراقية بمراجعة خطط الإنفاق والحد من النفقات غير الأساسية أو تأجيلها ومراجعة الرسوم الجمركية وفرض ضرائب انتقائية على الاستهلاك أو زيادتها وتجنب التمويل النقدي للعجز لأنه يمكن أن يزيد التضخم ويستنزف احتياطيات العملات الأجنبية ويضعف الميزانية العمومية للبنك المركزي العراقي.
كما حث الخبراء على إصلاح ضريبة الدخل الشخصي تدريجيا عن طريق الحد من الإعفاءات وتعزيز الإدارة الضريبية بالإضافة إلى كبح النفقات بإصلاح فاتورة الأجور والحد من التوظيف الإلزامي واعتماد قاعدة التناقص الطبيعي في عدد موظفي القطاع العام.
ولم يغفل تقرير خبراء صندوق النقد الدولي ملف «الفساد المالي والإداري» في العراق، إذ دعا إلى رفع كفاءة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد والعمل على مواءمتها مع المواثيق الدولية والممارسات الفضلى وتعزيز استقلال القضاء للإنفاذ الفعال للقوانين ولحماية الحقوق الاقتصادية.