أدى ظهور "وكلاء" الذكاء الاصطناعي إلى ارتفاع حادّ في الكلفة على العديد من الشركات التي بدأت تعيد النظر في اعتمادها هذه التكنولوجيا الثوريّة وتتّجه إلى نماذج أقل تكلفة.
ففي البداية وبهدف التشجيع على اعتماد هذه التكنولوجيا الجديدة، قدمت الشركات الكبرى في القطاع، وعلى رأسها "أوبن إيه آي"، أسعاراً جاذبة للغاية في البداية، إلى حدّ جعلها تسجل خسائر مالية في أنشطتها، إلا أنها راجعت مؤخرا أسعارها فرفعتها بما يتناسب مع الاستخدام الفعلي للقدرات المعلوماتية اللازمة من أجل تشغيل النماذج.
وسجلت زيادة هائلة في الاستعانة بالبنى التحتية المعلوماتية مع ظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي، وهي برامج قادرة على إنجاز مهام فعليّة، وليس مجرد الردّ على أسئلة.
فمن أجل إنجاز مهمة واحدة، يمكن للواجهة البرمجية أن تتفرع إلى عدة وكلاء، لكل منهم خطة عمله الخاصة، ليقوم وكلاء آخرون بعد ذلك بجمع النتائج كلّها والتثبّت منها.
وأوضح مارك بارتون من شركة "أومنيوكس" للمرافقة الرقمية أن "المطوّرين بصورة خاصة يشهدون ارتفاعا متسارعا في تكلفة استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض البرمجة".
وأضاف أنه على وقع ذلك، "بدأت الأسعار بالازدياد بصورة حادة لجميع النماذج المرجعية في السوق".
وإزاء كل ذلك، بدأت بعض الشركات الكبرى تعيد النظر في مسألة النشر العشوائي والمفرط للذكاء الاصطناعي وبدأت تركز مساعيها للحصول على ذكاء اصطناعيّ أقلّ تكلفة، من خلال استخدام نماذج أدنى فاعليّة من البرمجيّات الأكثر تطورا في هذا القطاع.
وفي هذا السياق، تلقى النماذج "المفتوحة المصدر" التي يمكن تحميلها مجانا، شعبية متنامية، وهي ليست بقوة "تشات جي بي تي" أو "جيميناي" على سبيل المثال، إلّا أنها قادرة على إنجاز العديد من المهام.
كما تنتقل بعض الشركات إلى نماذج أصغر حجما وأكثر تخصّصا، تم تطويرها لتلبية حاجات قطاعات محدّدة كالقطاع العقاري أوالمالي، بدل استخدام النماذج العملاقة المعدّة لكافة الاستخدامات.
ويمكن لهذه النماذج التي تعرف بـ"نماذج اللغات الصغيرة" ٍSLM العمل أحيانا على الخوادم المحليّة المحلية للشركة أو حتى مباشرة على جهاز الكمبيوتر، وهو خيار أقل كلفة لأنه يجنّبها دفع رسوم لمزوّدي خدمات الحوسبة السحابيّة.
وأوضح أدريان بلفور من شركة "إنفرسو" للاستشارات الرقمية، أنه من الممكن أيضاً تقسيم المهام الموكلة إلى الذكاء الاصطناعي إلى عدّة خطوات صغيرة وتفويض كل منها إلى النموذج الأقلّ كلفة القادر على إتمامها، ما سيولّد فرقا هائلا في التكلفة.
وقال بلفور إن "النموذج الضخم والمتكامل يكلّف 15 دولاراً لكل مليون رمز، لكن من الممكن خفض ذلك إلى حوالى خمسة سنتات عند استخدام النموذج الصغير".
ويرى كثيرون في هذه التغييرات الخطوة الأولى نحو تحول النماذج إلى سلع شائعة يمكن استبدالها مع الحفاظ على النتيجة المطلوبة.
وبناءً على ذلك، رأى جون بيلتون من شركة "غابيلي فاندز" للاستثمارات ، أن المنصات المتخصصة في اختيار وتنسيق النماذج والوكلاء هي التي تبرز وتكتسب أهميّة اليوم.
وفي هذا المجال، تخوض شركات ناشئة معركة حقيقيّة لترسيخ وجودها بمواجهة عمالقة الحوسبة مثل أمازون التي باتت تتيح لعملائها باقة متنوعة من أدوات الذكاء الاصطناعي عبر منصّتها "بيدروك"، فضلا عن المنافسة الشديدة من مطوّري ومبتكري الذكاء الاصطناعي أنفسهم.
وعلى سبيل المثال، تقدم شركة "أنثروبيك" سلسلة كاملة من النماذج بما فيها نموذج "هايكو"، الخيار الأدنى كلفة، على غرار ما تفعله شركتا "أوبن إيه آي" و"غوغل".
ورغم كلّ التطورات الجارية، لا يتوقع جون بيلتون أن تفقد هذه الشركات الكبرى حصتها السوقية لمجرد أن العملاء باتوا يبحثون عن كفاءة الإنفاق بدلاً من قوة الأداء.
وأكد أن "المستخدمين الأكثر تقدّما سيكونون على استعداد دوما للدفع مقابل الحصول على أفضل ما توصّلت إليه التكنولوجيا".