مفرح الشمري
في عام 1988، لم تكن مسرحية «الحب الكبير» مجرد عمل وطني قدم احتفالا بالعيد الوطني السابع والعشرين للكويت، بل كانت مشروعا فنيا وأكاديميا يحمل هدفا أكبر وأبعد أثرا، فبين صفحات الكتيب الرسمي للعمل تظهر عبارة لافتة ومهمة: «فكرة إيجاد مسرح غنائي في الكويت»، وهي عبارة تختصر الرؤية التي انطلق منها صناع التجربة، وتكشف أن الهدف لم يكن إنتاج عرض احتفالي عابر، بل وضع لبنة حقيقية لمسرح غنائي كويتي متكامل.
ما يلفت الانتباه أن هذه التجربة جاءت من خلال تعاون المعهد العالي للفنون الموسيقية والمعهد العالي للفنون المسرحية، بمشاركة عشرات الطلاب والطالبات في التمثيل والغناء الفردي والكورال والأداء الحركي والعزف، وتحت إشراف أكاديمي متخصص في الكتابة واللحن والتوزيع والتدريب الصوتي والأداء التعبيري، وهو ما يؤكد أن العمل كان مشروعا تعليميا وفنيا مدروسا يسعى إلى تخريج كوادر قادرة على صناعة المسرح الغنائي بمفهومه الحقيقي.
المسرح الغنائي ليس مسرحية تتخللها أغان، كما أنه ليس حفلا غنائيا يضم مشاهد تمثيلية، إنه فن يقوم على وحدة العناصر كافة، فالأغنية جزء من السرد الدرامي، واللحن يخدم الحدث، والحركة تعبر عن المشهد، والشخصية قد تتحدث ثم تغني ثم تنتقل إلى أداء حركي دون أن ينقطع الخط الدرامي.
في «الحب الكبير» كانت القصة واضحة ومتصلة، مجموعة من الشباب تستعد للاحتفال بالعيد الوطني، وتتفرع من هذه الفكرة قضايا تتعلق بالهوية والتراث والعلاقة بين الآباء والأبناء ودور الأم والأجداد في بناء الوطن، الأغنيات لم تكن فواصل للترفيه، بل أدوات لسرد الحكاية وتعزيز المعنى الدرامي، وحتى الأداء الحركي جاء بوصفه امتدادا للمشهد وليس فقرة مستقلة عنه، هذه هي القاعدة الأساسية للمسرح الغنائي في كل تجاربه العالمية والعربية الجادة، أن تكون الموسيقى والتمثيل والحركة أجزاء من نسيج واحد لا يمكن فصل أحدها عن الآخر.
واحدة من أكثر الإشكاليات التي تعاني منها الساحة الفنية اليوم هي الخلط بين المسرح الغنائي والاستعراض، فالاستعراض يقوم أساسا على الحركة والرقص والتشكيلات البصرية، وقد يؤدي وظيفة جمالية أو احتفالية داخل العرض، لكنه ليس بالضرورة جزءا من البناء الدرامي، فيمكن حذف الاستعراض في كثير من الأعمال دون أن تتأثر القصة أو الأحداث، أما في المسرح الغنائي فإن حذف الأغنية أو المشهد الحركي يؤدي إلى خلل في السرد، لأن هذه العناصر جزء من الحكاية وليست زينة مضافة إليها.
ولهذا السبب، كان المشاركون في «الحب الكبير» مصنفين بوضوح بين ممثلين ومغنين وأعضاء كورال ومؤدي أداء حركي، ضمن منظومة متكاملة يقودها نص درامي وموسيقى وأوركسترا حية بقيادة طه ناجي لم يكن الهدف استعراض مهارات الحركة، بل توظيفها لخدمة المعنى.
كذلك يختلط الأمر أحيانا بين المسرح الغنائي والأوبريت، الأوبريت في الغالب عمل احتفالي أو وطني أو غنائي يعتمد على لوحات متتابعة، وقد لا تكون هناك حبكة درامية متماسكة تربط جميع أجزائه. وقد تتعدد موضوعاته وشخصياته دون وجود قصة رئيسية تتطور من بداية العمل حتى نهايته.
أما المسرح الغنائي فيقوم على قصة وشخصيات وصراع وتطور درامي واضح، بحيث تصبح الأغاني جزءا من الأحداث لا مادة مستقلة عنها، لذلك يمكن اعتبار بعض الأعمال الوطنية الشهيرة أوبريتات غنائية ناجحة، لكنها ليست بالضرورة مسرحا غنائيا بالمعنى الأكاديمي الدقيق.
عند مراجعة تجربة «الحب الكبير»، يتبين أن صناعها كانوا ينظرون إلى المستقبل أكثر مما ينظرون إلى العرض نفسه، فقد جرى إشراك طلبة المعهدين في تجربة عملية شاملة تجمع بين التمثيل والغناء الجماعي والفردي والأداء الحركي والعمل الأوركسترالي.
هذا النوع من المشاريع كان يهدف إلى بناء جيل يمتلك أدوات المسرح الغنائي كاملة، لا أن يتخصص في جانب واحد فقط. ولذلك نجد أسماء كثيرة من طلبة الفنون الموسيقية والفنون المسرحية موزعة على مهام مختلفة داخل العرض، في تجربة تشبه المختبر الفني الذي يصنع الفنان الشامل.
وكانت هذه الرؤية متقدمة بالنسبة لزمنها، لأنها أدركت أن المسرح الغنائي لا يولد من خلال النجوم فقط، بل من خلال منظومة تعليمية متكاملة تنتج المغني الممثل والمؤدي القادر على التعامل مع الخشبة بوصفها مساحة درامية وموسيقية في آن واحد.
ما يعرض اليوم تحت مسمى «مسرحية غنائية استعراضية» يختلف في كثير من الأحيان عن هذا المفهوم، في عدد كبير من الأعمال المعاصرة أصبحت الأغنية مادة دعائية مستقلة، وأصبحت الاستعراضات العنصر الأكثر حضورا على حساب البناء الدرامي. وغالبا ما تتوقف الأحداث لعدة دقائق من أجل أغنية أو رقصة لا تضيف جديدا للقصة، بل تؤدي وظيفة ترفيهية فقط.
كما أن كثيرا من العروض تعتمد على الرقصات الجماعية والمؤثرات البصرية الضخمة، بينما تتراجع أهمية النص والحوار وتطور الشخصيات، وهنا يتحول العرض إلى استعراض غنائي أكثر منه مسرحا غنائيا.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة هذه الأعمال، فلكل نوع فني خصوصيته، لكن المشكلة تكمن في استخدام المصطلحات بصورة غير دقيقة، لأن المسرح الغنائي له شروطه الفنية والأكاديمية المختلفة عن الاستعراض.
بعد ما يقارب أربعة عقود على تقديم «الحب الكبير»، تبدو قيمة هذه التجربة في فكرتها أكثر من زمن عرضها، فقد حملت مشروعا واضحا عنوانه إيجاد مسرح غنائي في الكويت، واستندت إلى رؤية أكاديمية جمعت بين التعليم والإنتاج الفني، وسعت إلى تأسيس فنان يمتلك أدوات التمثيل والغناء والحركة في الوقت نفسه.
واليوم، ومع اتساع مساحة العروض الاستعراضية، تبدو العودة إلى تلك التجربة ضرورة لفهم الفارق بين المسرح الغنائي بوصفه فنا دراميا متكاملا والاستعراض بوصفه عنصرا جماليا داخل العرض.
لقد كانت «الحب الكبير» التي أخرجها د.محمد أنور رستم واشرف عليها د.حسن يعقوب العلي ولحنها د.عبدالرؤوف إسماعيل وصمم الأداء التعبيري لها د.يحيى عبدالتواب وكتب أشعارها الغنائية علي زكي وكاظم الزامل، محاولة جادة لصناعة مدرسة مسرحية غنائية كويتية، لا مجرد احتفال وطني عابر، وربما تكمن أهميتها الحقيقية في أنها طرحت سؤالا ما زال مطروحا حتى اليوم: هل نملك مسرحا غنائيا بالمعنى الأكاديمي الكامل، أم أننا ما زلنا نخلط بين المسرح الغنائي والاستعراض والأوبريت؟ ذلك السؤال الذي بدأ طرحه عام 1988، وما زال ينتظر إجابة واضحة على خشبات المسرح حتى الآن!