أحمد مغربي
رغم التوترات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة مع اندلاع الحرب الأميركية- الإسرائيلية- الإيرانية، وما رافقها من مخاوف بشأن تداعياتها على اقتصادات المنطقة والأسواق المالية، أثبت القطاع المصرفي الكويتي متانة استثنائية وقدرة عالية على مواجهة الصدمات، محافظا على استقرار مؤشراته المالية واستمرار نمو أعماله، دون تسجيل أي اضطرابات جوهرية في مستويات السيولة أو التمويل أو جودة الأصول، في انعكاس واضح لقوة مراكزه المالية وكفاءة الإطار الرقابي الذي يقوده بنك الكويت المركزي.
ولم تقتصر قدرة البنوك الكويتية على احتواء تداعيات الأزمة، بل واصلت تعزيز مكانتها بين أكبر البنوك الخليجية، مستفيدة من مستويات رسملة مرتفعة، وقاعدة ودائع قوية، وجودة أصول عالية، إلى جانب الإجراءات الاحترازية الاستباقية التي اتخذها بنك الكويت المركزي لتعزيز الاستقرار المالي، الأمر الذي عزز ثقة المودعين والمستثمرين، ورسخ قدرة الجهاز المصرفي على مواصلة تمويل النشاط الاقتصادي حتى في ظل أكثر الفترات اضطرابا.
وتؤكد البيانات المالية للربع الأول من عام 2026 هذه المتانة، إذ بلغ إجمالي أصول البنوك الكويتية 449.60 مليار دولار بنهاية مارس الماضي، لتحتل المرتبة الرابعة بين أكبر القطاعات المصرفية في دول مجلس التعاون الخليجي بعد الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودولة قطر، فيما بلغت ودائع العملاء 361.30 مليار دولار، ووصل صافي القروض إلى 289.40 مليار دولار، وسجل هامش صافي الفائدة 2.48 في المئة، بينما حققت البنوك إجمالي إيرادات بلغ 3.79 مليارات دولار خلال الربع الأول من العام.
وتعكس هذه المؤشرات استمـرار النمــو المتـوازن للقطاع المصرفي الكويتي، رغم الظروف الاستثنائية التي مرت بها المنطقة، كما تؤكد نجاح السياسات الرقابية والاحترازية في المحافظة على مستويات مرتفعة من السيولة والاستقرار المالي، وتعزيز قدرة البنوك على مواجهة أي ضغوط ائتمانية أو تمويلية محتملة. وفي الوقت ذاته، جاءت الكويت، إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة، ضمن أكثر دول مجلس التعاون الخليجي نموا في الودائع الحكومية وشبه الحكومية خلال الأشهر الأولى من عام 2026، وهو ما أسهم في تعويض تباطؤ نمو ودائع القطاع الخاص، وعزز مستويات السيولة داخل الجهاز المصرفي، ورفع قدرة البنوك على الاستمرار في تمويل مختلف القطاعات الاقتصادية.
ولعب بنك الكويت المركزي دورا محوريا في تعزيز مرونة القطاع المصرفي، بعدما اتخذ سلسلة من الإجراءات الاحترازية شملت تخفيف متطلبات السيولة، ورفع الحدود القصوى للإقراض، والإفراج عن جزء من هامش المحافظة على رأس المال، بما وفر للبنوك مساحة أكبر لإعادة التمويل واستيعاب أي ضغوط ائتمانية محتملة، في إطار إجراءات وقائية هدفت إلى تعزيز الثقة والاستقرار المالي، وليس استجابة لأزمة مصرفية.
وفي السياق الخليجي، أكدت تقارير صادرة عن وكالات التصنيف والمؤسسات المالية الدولية أن البنوك الخليجية نجحت في تجاوز تداعيات التوترات الإقليمية التي رافقت الحرب، مستفيدة من قوة التمويل، وارتفاع مستويات الرسملة، وتوافر السيولة، واستمرار الدعم الحكومي، وهو ما حد من تعرضها للمخاطر الائتمانية قصيرة الأجل، ورسخ قدرتها على مواصلة النمو رغم حالة عدم اليقين التي شهدتها المنطقة. وأظهرت التقارير الصادرة عن وكالة ستاندرد آند بورز (S&P Global) ووكالة فيتش للتصنيف الائتماني ومجلة ميد (MEED)، أن القطاع المصرفي الخليجي دخل فترة التوترات الإقليمية خلال عام 2026 مستندا إلى أسس مالية قوية، شملت مستويات مرتفعة من السيولة والرسملة، وقاعدة ودائع مستقرة، الأمر الذي مكنه من احتواء تداعيات الحرب دون تسجيل اضطرابات مؤثرة في النظام المصرفي أو تراجع ملموس في النشاط الائتماني.
وأكدت التقارير أن البنوك الخليجية استفادت من قوة التمويل المحلي والدعم الحكومي المستمر، ما حد من تعرضها للمخاطر قصيرة الأجل، في وقت حافظت فيه الأنظمة المصرفية الخليجية على مستويات مرتفعة من الاستقرار المالي مقارنة بالعديد من الأسواق الأخرى التي تأثرت بدرجة أكبر بالتقلبات الجيوسياسية.
وأظهرت بيانات الربع الأول من عام 2026 استمرار متانة مصادر التمويل لدى البنوك الخليجية، إذ ارتفعت الودائع المحلية بنسبة 16.9 في المئة على أساس سنوي، وهو ما عوض تراجع التمويل بين البنوك، وعكس استمرار ثقة العملاء والمؤسسات في القطاع المصرفي الخليجي رغم الظروف الاستثنائية التي شهدتها المنطقة. وأشارت مجلة ميد إلى أن الودائع الحكومية وشبه الحكومية سجلت نموا قويا، ولا سيما في الكويت والإمارات، وهو ما عوض تباطؤ نمو ودائع القطاع الخاص في البلدين، فيما شهد شهر أبريل تسارعا إضافيا في تدفقات الودائع الحكومية نتيجة الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها حكومات دول مجلس التعاون لحماية الأنظمة المصرفية وتعزيز مستويات السيولة.
من جانبها، أوضحت وكالة فيتش أن التمويل والسيولة يمثلان إحدى أبرز نقاط القوة في القطاع المصرفي الخليجي، مبينة أن الودائع الحكومية تشكل عادة ما بين 20 في المئة و30 في المئة من إجمالي ودائع القطاع المصرفي، وهي ودائع تتسم بالاستقرار وطول الأجل، بما يوفر للبنوك قاعدة تمويل قوية حتى في أوقات التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.
وأضافت الوكالة أن اعتماد البنوك الخليجية على ودائع القطاع العام والجهات الحكومية كان عاملا رئيسيا في استقرار مصادر التمويل وتقليص المخاطر المحتملة، مؤكدة أن عمليات سحب الأموال التي ظهرت بصورة محدودة مع بداية الحرب لم تستمر طويلا، إذ عادت معظم الأموال إلى البنوك خلال أسابيع قليلة، في مؤشر واضح على استمرار ثقة المستثمرين والمودعين بسلامة الأنظمة المصرفية الخليجية. وأظهرت بيانات الوكالة استمرار نمو الائتمان الممنوح للقطاع الخاص في دول مجلس التعاون الخليجي خلال الربع الأول من عام 2026، إذ بلغ معدل النمو السنوي 8 في المئة حتى نهاية شهر مارس، بما يعكس استمرار النشاط الائتماني وثقة البنوك في تمويل الاقتصاد، رغم حالة عدم اليقين التي فرضتها التطورات الجيوسياسية. وأشار التقرير إلى أن المخصصات التي كونتها البنوك لتغطية الخسائر الائتمانية المتوقعة تفوق حجم القروض المتعثرة الحالية، بما يشكل خط الدفاع الأول لحماية جودة الأصول، فيما تمثل مستويات الرسملة المرتفعة خط الدفاع الثاني، الأمر الذي يمنح البنوك قدرة إضافية على مواجهة أي خسائر محتملة دون التأثير في استقرارها المالي.
وأوضح أن محدودية تأثير الحرب على البنوك الخليجية، مقارنة بقطاعات اقتصادية أخرى، تعود إلى أن اقتصادات دول مجلس التعاون وأنظمتها المصرفية أظهرت خلال السنوات الثلاث الماضية مستويات مرتفعة من المرونة، في وقت كانت فيه العديد من الاقتصادات العالمية تواجه ضغوطا تضخمية وتباطؤا في النمو الاقتصادي.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، شددت الوكالة على أن البنوك الخليجية لا تتعامل مع الأوضاع الحالية باعتبارها نهاية للمخاطر، بل تواصل الاستعداد لاحتمال تعرض بعض القطاعات لضغوط خلال النصف الثاني من عام 2026، مع توقع تباطؤ النشاط الاقتصادي بدرجات متفاوتة بين دول مجلس التعاون.
4.01 تريليونات دولار موجودات القطاع المصرفي الخليجي
ارتفع إجمالي أصول البنوك في دول مجلس التعاون الخليجي إلى مستوى قياسي بلغ 4.013 تريليونات دولار بنهاية الربع الأول من عام 2026، مقارنة بـ3.912 تريليونات دولار في الربع الرابع من عام 2025، محققا زيادة فصلية قدرها 101 مليار دولار، بما يعادل نموا نسبته 2.58 في المئة.
وعلى أساس سنوي، ارتفع إجمالي الأصول بنحو 409 مليارات دولار مقارنة بـ3.604 تريليونات دولار في الربع الأول من عام 2025، بما يعادل نموا نسبته 11.35 في المئة.
كما سجلت الأصول المصرفية الخليجية زيادة تراكمية بلغت 772 مليار دولار، بما يعادل نموا نسبته 23.82 في المئة، مقارنة بالربع الأول من عام 2024، عندما كانت عند مستوى 3.241 تريليونات دولار.