لا تنهض الشعوب بالتردد والجمود والخوف، ولا تبني مستقبلها باليأس ولعن الظلام، وإنما تنهض حين تؤمن أن الغد أفضل من اليوم، وأن كل شجر الإصلاح ينبت بعد صبر وعمل متواصل. فمن ينظر إلى النتائج السريعة قد يتراجع عند أول عقبة، أما من يحمل رؤية واضحة فإنه يدرك أن الطريق الطويل هو الذي يصنع الإنجازات الكبيرة.
كل تغيير حقيقي يمر بمحطات من التعب والاعتراض والتشكيك، والقادة الحق هم من يتحملون الصعاب الكثيرة، وربما تجرح مسامعهم كلمات تقلل من جهودهم ومع ذلك يستمرون، لأنهم يعلمون أن المجد لا يصنعه المتفرجون، وإنما يصنعه أصحاب الرسالة الذين يضعون حجر الأساس بثبات وقوة، ليأتي بعدهم من يكمل البناء، وهؤلاء هم الذين يكتب التاريخ أسماءهم وتطير سيرتهم مع الأخبار أمثالا.
ومن أعظم صور التفاؤل ما علمنا إياه نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، ففي يوم الأحزاب، والمسلمون يحفرون الخندق، كانوا يعيشون حصارا وخوفا وجوعا، حتى اعترضتهم صخرة عظيمة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول وضربها، ومع كل ضربة يكبر ويبشر أصحابه بفتح بلاد عظيمة، فبشر بفتح فارس والروم، على الرغم من أن الواقع والمشهد يقول إن المسلمين محاصرون، لكن كلمات النبي عليه الصلاة والسلام كانت تنظر إلى المستقبل، وتزرع في القلوب يقينا لا يحطم المستحيل.
لنتأمل هذا الموقف العظيم، لم يكن الصحابة بحاجة إلى كلمات تصف الواقع، فهم يعيشونه بكل تفاصيله ورعبه، وإنما كانوا بحاجة إلى قائد يرفع أبصارهم إلى ما بعد المحنة، فامتلأت نفوسهم أملا وثقة، حتى تحققت تلك البشارات بعد سنوات، وسقطت دولة كسرى، وخضعت دولة قيصر، ورأى الناس أن التفاؤل الصادق إذا اقترن بالعمل والإيمان يتحول إلى واقع.
إن أوطاننا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا تحتاج إلى هذه الروح، لعلنا حقا نحتاج إلى من يعمل بصبر، ويؤمن بأن الإصلاح لا يولد في يوم واحد، وأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار للمستقبل، فكل فكرة نافعة تبدأ صغيرة، ثم تكبر مع الإخلاص والاستمرار، فالتفاؤل ليس حلما بعيدا، ولا تجاهلا للصعوبات، بل هو إيمان بأن الله لا يضيع عمل المخلصين، وأن الغد قــد يحــمل من الخير ما لم نتوقـــعه، ومــا أجمل أن نكون مـــن الذين يزرعون الأمل في الناس، ويعملون بصمت، حتـــى يتركوا للأجيال القادمة مستقبلا أفضل مما وجدوه.