مفرح الشمري
لم تكن لوحة «أم الشهيد» في أوبريت «السور» مجرد مشهد مسرحي عابر أمام الجمهور، بل كانت لحظة إنسانية ثقيلة اختلط فيها صوت الأم بوجع الفقد، وبقي الوطن هو الكلمة التي تجمع كل هذا الألم.
والقصيدة التي حملت هذا الوجع كتبها الشاعر السعودي الراحل مسفر الدوسري عام 1991، لتأتي اليوم، وبعد سنوات طويلة، وكأنها تستعيد حضورها من جديد من خلال أداء الفنانة القديرة سعاد عبدالله.
على خشبة مسرح السور، دخلت سعاد عبدالله وهي تحمل في صوتها حكاية أم لا تحتاج إلى كثير من الكلام لتقول ما في قلبها. ومع ترديد «يمه أرضك.. يمه أرضك»، بدا المشهد وكأن الأرض نفسها أصبحت جزءا من حوارها مع ابنها، تذكره بأن الوطن ليس قطعة أرض تباع أو تشترى، وإنما عمر وذاكرة وناس وبيت وذكريات.
«الوطن يا وليدي.. أكبر».. جملة اختصرت اللوحة كلها، فالوطن في وجدان الأم ليس قصيدة في دفتر، بل نبض وأقدار وحظ، وهو البيت الذي يحتفظ بأيامه الحلوة والعسرة، والشمس والقمر، والشوق الذي يكبر في عيون أهله.
وكانت قوة اللوحة في بساطتها، أم تتحدث إلى وليدها، وتوصيه بأرضه وناسه، ثم تنقلها الكلمات من الحنان إلى الوجع، ومن الوجع إلى الكبرياء، حتى تصل إلى تلك النهاية التي حملت المعنى الأثقل: «يمه أرضك.. يعني عرضك».
لكن ما جعل اللوحة تعود بقوة إلى الواجهة لم يكن النص وحده، بل الحضور الطاغي لسعاد عبدالله على الخشبة وأداؤها المؤثر، فقد استطاعت، بتعبير وجهها ونبرة صوتها وصمتها قبل كلماتها، أن تمنح الشخصية صدقا جعل المشهد يتجاوز حدود المسرح، حتى بدا أن الجمهور لا يشاهد «أم الشهيد» بقدر ما يعيش معها لحظة الفقد.
وسرعان ما تحولت اللوحة إلى ترند واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وتداول الجمهور مقاطعها وتفاعل معها بشكل لافت، بعدما نجحت سعاد عبدالله في إيصال الألم إلى كل من شاهدها، سواء كان حاضرا في المسرح أو يتابع المشهد من خلف شاشة التلفزيون.
هناك، لم تعد سعاد عبدالله تؤدي دور أم الشهيد فقط، بل بدت وكأنها تحمل صوت كل أم عرفت معنى الفقد، وكل أم ترى في الوطن بيتا وذاكرة وامتدادا لأبنائها.
«أم طلال» لم تبالغ في هذه اللوحة لتوصيل رسالة اللوحة، لأن حضورها بعد غياب على خشبة المسرح، وصوتها، ونظراتها، وصلت رسالة اللوحة من خلال دموعها ودموع الجمهور، سواء في المسرح أو خلف شاشة التلفزيون.
وهكذا عادت قصيدة الراحل مسفر الدوسري التي كتبها عام 1991 لتعيش من جديد، لكن هذه المرة بصوت سعاد عبدالله وحضورها الاستثنائي، لتثبت أن الأعمال الصادقة لا يطويها الزمن، وأن المشهد الإنساني الحقيقي يستطيع، بعد عقود، أن يعيد إشعال الذاكرة ويجمع الناس حول إحساس واحد.. «يمه أرضك» لم تكن مجرد أغنية أو لوحة مسرحية، بل كانت حكاية أم، ووجع فقد، وحب وطن.