البحر بالنسبة لأهل الكويت ليس مجرد مكان للترفيه أو الصيد بل جزء أصيل من تاريخهم وهويتهم وثقافة الأجداد، عاشوا مع البحر وعرفوا أسراره وتعلموا منه الصبر والشجاعة وتحمل المسؤولية وكان مصدر رزقهم وحياتهم واليوم واجبنا أن نحافظ على هذا الإرث وننقله إلى الأجيال القادمة.
صفحة «بحري» تلتقي اليوم الحداق يوسف العيدي الذي حدثنا عن بداياته واكتسابه للخبرة المميزة بمواسم الاسماك ومواقعها، وكيف ان هواية الصيد تعلم الإنسان أشياء كثيرة تتجاوز حدود البحر، فهي تعلمه الصبر والتخطيط والتعامل مع الظروف المتغيرة.
كما أوضح العيدي أن الإنسان مهما امتلك من خبرة ومعدات متطورة يظل أمام الطبيعة بحاجة إلى التواضع والتعلم. ولكل راغب في المعلومات البحرية الفريدة نقول له تابع معنا هذا الحوار الممتع والشيق، فإلى التفاصيل:
في البداية، يقول الحداق يوسف العيدي: علاقتي بالبحر والصيد لم تكن مجرد هواية عابرة بل شغف كبر معي مع مرور الوقت واصبح جزءا مهما من حياتي، بدأت فعليا في عالم الصيد من عمر 11 سنة، وكنت أطلع مع عمامي وعيال عمي، كانت أغلب طلعاتنا حداق سيف مثل جسر الزور وشاطئ شرق وبحر الدوحة وغيرها من الواجهات البحرية وأحيانا كنا نروح بالطراد إلى أماكن مثل عوهة والركسة والدفان والمزارع، وقد تعلمت أساسيات الحداق خطوة بخطوة من تجهيز العدة واختيار الخيط والميدار المناسبين وشكة الييمة وحسبة المايات والموادع وكيفية التعامل مع السمكة من لحظة الضربة إلى أن تصل إلى الطراد، ومع مرور السنوات تطورت الهواية عندي واكتشفت أن البحر مدرسة كبيرة وكل طلعة تعطيك معلومة جديدة، فالنجاح في الحداق لا يعتمد على الحظ وحده بل يحتاج إلى صبر وخبرة ومعرفة بحركة التيارات وطبيعة القاع والمرعى.
أكتوبر أجمل شهور الصيد
ويضيف العيدي: بما أننا حاليا في شهر أكتوبر، وهو من الأشهر الجميلة للصيد بسبب بداية اعتدال الأجواء وتغير حرارة المياه ومن الأسماك التي يمكن استهدافها خلال هذه الفترة النقرور والسبيطي والمزيزي والشعم والبالول والهامور إضافة إلى الجنعد في بعض المحادق الجنوبية، وقد تستمر الشيمة والشماهي في الظهور ببعض الأماكن، واختيار المكان المناسب يعتمد بدرجة كبيرة على الموسم ونوع السمكة المستهدفة وحركة المايه، وفي المحادق الشمالية مثل الركسة وعوهة والدفان والطبعانات وجسر جابر تتميز هذه المناطق بتنوع الأسماك، مثل السبيطي والمزيزي والشعم والنويبي والنقرور والشيم، أما في الجنوب فعندك محادق الفنطاس وجليعة والزور إلى جانب أقواع كبر وقاروه وأم المرادم وهي مناطق معروفة بالهامور والبالول والشعري والفسكر والجنعد وغيرها من الأسماك
متعة صيد السبيطي قبل الضربة
ويتابع العيدي: سمكة السبيطي يعتبرها كثيرون تحديا حقيقيا واختبارا لصبر الحداق وخبرته، ومتعة صيد السبيطي تبدأ قبل الضربة من مرحلة اختيار المكان والوقت وتجهيز العدة واختيار المكان بعناية، ويفضل أن يكون هادئا وفيه مرعى مناسب سواء كان رمليا أو طينيا أو قريبا من الصخور، وبعد ذلك تأتي حسبة الماية وهي من أهم العوامل لأن أوقات تغذية السبيطي تختلف من مكان إلى آخر، وافضل ييمة له الطازجة أو الحية مثل الزوري والميدة والسلس والنغاقة واليواف واحشاء الدجاج.
مواسم الشماهي تختلف بين المحادق
ويضيف العيدي: الشماهي من الأسماك القوية جدا في المقاومة وصيدته فيها متعة وتحد وتختلف مواسمه بين المحادق ففي بعض المناطق يحضر من الربيع إلى نهاية الصيف بينما يمتد حضوره في مناطق أخرى خلال الخريف وحتى الشتاء ومن أشهر أماكنه عوهة والركسة والدردور والطبعانات اضافة إلى بعض المحادق الجنوبية مثل جليعة والزور والأرياق، وأفضل ييمة له الربيانة الكبيرة الطازجة واليميام الحي. كما أن الاهتمام بجرة الماية والوقفة واختيار الترديعة المناسبة للقاع من أهم أسباب نجاح صيده.
الشيمة تكثر في الصيف
وأضاف العيدي: الشيم من الأسماك التي أعتبر صيدها تجربة مميزة لأنها تجمع بين القوة والسرعة والمقاومة وتعطي الحداق متعة حقيقية من أول ضربة إلى آخر لحظة، ومن أشهر أماكن وجودها الدردور وعوهة والركسة وبعض الطبعانات وعارض الأبراج، يمتد موسم الشيمة غالبا من الربيع إلى الخريف، وتكثر خلال أشهر الصيف، خصوصا يونيو ويوليو وأغسطس، وقد يستمر صيدها في بعض الأماكن حتى أكتوبر أو بعده بحسب الظروف، ييمتها المفضلة اليميام الحي والزوري والميدة واليواف، وأجمل ما في صيد الشيم أن المعركة لا تنتهي بمجرد الضربة، بل تبدأ من تلك اللحظة، وهذا ما يجعل كثيرا من الحداقة ينتظرون موسمها كل سنة.
مكان النقرور الركسة والدفان
ويقول العيدي: النقرور من الأسماك التي تحتاج إلى متابعة للموسم لأنها تتحرك بين المحادق بحثا عن المرعى وقد تجدها في مكان خلال فترة معينة ثم تختفي أو تقل بشكل ملحوظ ومن أفضل أماكن صيد النقرور الركسة الشمالية والجنوبية والدفان والطبعانات وأقواع عوهة إضافة إلى بعض محادق الفنطاس وأقواع كبر والأرياق بحسب الموسم، وللنقرور فترتان معروفتان عند الحداقة الأولى خلال مارس وأبريل مع دخول الربيع والثانية خلال سبتمبر وأكتوبر مع احتمال امتداد حضوره أو تغيره بحسب حرارة المياه وحركة الأسماك، اما الييمة المناسبة لصيده فهي الروبيانة الكبيرة الطازجة والخثاق، إضافة إلى صلاخة الخثاق.
الجنعدة تصيدها تشخيط
ويضيف العيدي: الجنعد من أكثر الأسماك التي تثير حماس هواة الصيد الرياضي ومن أشهر أماكن وجوده المحادق الجنوبية مثل كبر وقاروه وأم المرادم وأم ديره والأقواع المحيطة بها اضافة إلى بعض مناطق الفحيحيل وجليعة، فترة الخريف والشتاء وبداية الربيع تعد من الفترات المهمة لصيده، يمكن استهداف الجنعد بالتشخيط، سواء باستخدام الطعوم الصناعية مثل الميرور والبورد، أو بالتشخيط الحي باستخدام أسماك صغيرة مناسبة مثل الجش والدردمان والدويلمي، صيد الجنعد يحتاج إلى قراءة للبحر بقدر ما يحتاج إلى عدة جيدة، لأن معرفة مكان السمكة وطريقة تغذيتها أهم بكثير من امتلاك أغلى المعدات ومتعة الجنعد الحقيقية تبدأ من لحظة الضربة القوية، والحداق الذكي هو الذي يتعامل مع السمكة بهدوء ويعطيها حقها في المقاومة من غير استعجال.
ختامية
وختم العيدي قائلا: أكثر ما يضايقني رمي المخلفات البلاستيكية والعلب والخيوط المستعملة في البحر وايضا مرور بعض الطراريد بسرعة عالية بالقرب من طراد طارح، كما أتمنى تطوير المسنات وصيانتها وتوفير مراسي وخدمات والالتزام بقوانين الصيد والمناطق والأوقات المصرح بها، وعدم الاحتفاظ بالأسماك الصغيرة، والمحافظة على نظافة المكان، فالحداق الحقيقي ليس من يصيد أكثر بل من يعرف قيمة البحر ويحافظ عليه حتى تستمر خيراته للأجيال القادمة، وأنصح إخواني الحداقة أن تكون السلامة قبل الصيد والتأكد من حالة الجو قبل النزول وفحص الماكينة والبطارية والوقود وأجهزة الملاحة والاتصال والتأكد من وجود سترات النجاة وطفاية الحريق والإسعافات الأولية، وعدم الاعتماد على جهاز واحد فقط في تحديد الموقع أو العودة إلى المسنة، وعدم المجازفة بحياتك لأجل سمكة.
وفي النهاية، أحب أن أشكر جريدة «الأنباء» وصفحة «بحري» على اهتمامهما المستمر بأهل البحر وهواة الصيد وإتاحة الفرصة لنا لنقل تجاربنا ومعلوماتنا إلى الشباب، وأسأل ربي أن يحفظ الكويت وأهلها وأن يديم علينا نعمة البحر وخيراته ويرزق جميع إخواننا الحداقة بالصيد الطيب والعودة السالمة.