قال تقرير قيادة الفكر الصادر عن شركة الوطني للثروات «الذكاء الاصطناعي: من صناع التقنية إلى المستفيدين منها»، انه خلال السنوات الثلاث الماضية ذهبت معظم العوائد المتحققة من الذكاء الاصطناعي إلى الشركات التي تطوره من مصنعي الرقائق ومزودي الخدمات السحابية إلى مطوري النماذج. وفي الربع الثاني من عام 2026، أسهمت الشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بنحو نصف نمو أرباح شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، وهو المؤشر الرئيسي للأسهم الأميركية.
وقال التقرر ان المرحلة المقبلة يرجح أن تكون مختلفة، فقد باتت هذه التقنية متاحة على نطاق واسع، كما انخفضت كلفة استخدامها، لذلك لم يعد امتلاكها وحده ميزة تميز شركة عن أخرى. وما ينقص قطاع الذكاء الاصطناعي اليوم ليس التقنية، بل قدرة المؤسسات على توظيفها عمليا. ومن شأن هذا التحول أن ينقل تدريجيا جانبا أكبر من الفرص من مطوري الذكاء الاصطناعي وبنيته التحتية إلى الشركات التي تستخدمه، وإن كانت هذه النقلة لاتزال في بدايتها.
وأضاف التقرير: بات من الصعب اليوم العثور على شركة كبرى لا تستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر. وأظهر مسح عالمي أجرته شركة «ماكينزي» عام 2026 وشمل مسؤولين تنفيذيين، أن نحو تسع مؤسسات من كل عشر تستخدمه بانتظام في مجال واحد على الأقل من أعمالها. ويبدو أن الموظفين يرحبون به أيضا، إذ قال ثمانية من كل عشرة مشاركين إن الذكاء الاصطناعي زاد إنتاجيتهم الشخصية.
مع ذلك، لم تقل سوى 37% من المؤسسات إن الذكاء الاصطناعي أحدث فرقا في أرباحها التشغيلية، وهي النسبة نفسها المسجلة قبل عام. ولم تتجاوز نسبة المؤسسات التي أفادت بتحقيق أثر على الأرباح قبل الفوائد والضرائب بنسبة 5% أو أكثر الـ 6% فقط.
ويعود التفسير إلى سبب بسيط نسبيا، فالأداة التي توفر للموظف عشرين دقيقة عند إعداد تقرير قد تجعل يوم عمله أسهل، لكنها نادرا ما تؤدي إلى خفض تكاليف الشركة ما لم يعد تنظيم العمل نفسه حول هذه التقنية.
لكن.. ما الذي يميز الشركات الرائدة؟
تشير الأبحاث باستمرار إلى أن الفارق يكمن في أسلوب إدارة الشركات، لا في الأدوات التي تشتريها. فمن بين جميع العوامل التي اختبرتها ماكنزي في عام 2025، ارتبطت إعادة تصميم سير العمل ارتباطا وثيقا بتحقيق مكاسب في الأرباح بفضل الذكاء الاصطناعي. وبعبارة أبسط، يعني ذلك إعادة بناء العمليات حول التقنية بدلا من إضافة الذكاء الاصطناعي إلى العمليات القائمة. وقد اتبعت نحو ثلاثة أرباع الشركات الأفضل أداء هذا النهج، مقارنة بربع الشركات الأخرى. كما تتميز هذه الشركات بوجود قيادات عليا تتولى مسؤولية هذه الجهود، وتقيس أثرها، وتسعى إلى تحقيق النمو إلى جانب خفض التكاليف.
تبدو المكاسب المحتملة ضخمة، إلا أن دراسة حديثة شملت أكثر من ألف شركة أجرتها مجموعة «بوسطن للاستشارات» (BCG) في عام 2025 كشفت أن 5% فقط من الشركات كانت تخلق قيمة فعلية باستخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، بينما أفادت 60% منها بتحقيق مكاسب قليلة أو معدومة. ومع ذلك، حققت الشركات الرائدة مقارنة بالشركات الأخرى ما يفوق ثلاثة أضعاف العوائد للمساهمين على مدى السنوات الثلاث الماضية، على الرغم من أن الشركات المتميزة كانت غالبا متقدمة في هذا المجال حتى قبل ظهور الذكاء الاصطناعي.
كما يلعب الحجم دورا حاسما، فالشركات الكبرى تمتلك بيانات أضخم وميزانيات أكبر، وتتبنى تقنيات الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من الشركات الصغرى. ففي الولايات المتحدة، كانت 37% من الشركات التي تضم 250 موظفا أو أكثر تستخدم الذكاء الاصطناعي في ربيع 2026، مقارنة بأقل من 20% للشركات الأصغر حجما وفقا لمكتب التعداد الأمريكي.
بدأت الإحصاءات الرسمية تفصح عن صورة مشابهة، فقد ارتفعت إنتاجية العمالة الأميركية (وهي كمية الإنتاج لكل ساعة عمل) بنحو 2.4% سنويا منذ بداية عام 2024، مقارنة ب 1.6% في السنوات الخمس التي سبقت الجائحة بحسب بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس. ويعود الكثير من هذا التحسن إلى قطاعات: المعلومات، والتمويل والتأمين، والخدمات المهنية، وهي القطاعات الأكثر تعرضا للذكاء الاصطناعي، حيث نمت الإنتاجية فيها بنحو ضعف وتيرة باقي اقتصاد الدولة.
ورغم أن الوقت لا يزال مبكرا، فقد أظهر استطلاع شمل كبار المديرين الماليين وأجراه بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا أن الشركات تعتقد أن الذكاء الاصطناعي يرفع الإنتاجية بمعدل يفوق ما تظهره الأرقام الرسمية، مشيرة إلى أن تحقيق الإيرادات الإضافية يستغرق وقتا طويلا، ويتوقعون أن يتضاعف هذا الأثر تقريبا في عام 2026.
بالنسبة للمستثمرين، لم يعد التركيز منصبا فقط على الشركات التي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل بات يتجه بشكل متزايد نحو الشركات الأكثر قدرة على توظيف هذه التقنيات لتحقيق مكاسب تشغيلية ومالية ملموسة. وبينما لا توجد معايير حاسمة تحدد الفائزين مسبقا، فإن هناك ثلاث سمات رئيسية تميز الشركات الأوفر حظا للاستفادة من الذكاء الاصطناعي. أولا، ارتفاع تكاليف العمالة المرتبطة بالمهام المعرفية مثل إدارة المعلومات والتحليل والكتابة وخدمة العملاء، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي المساهمة في رفع الكفاءة وخفض التكاليف. ثانيا، قدرة الشركة على الاحتفاظ بالوفورات المحققة بدلا من تمريرها إلى العملاء، وهو ما يعتمد على قوة التسعير وولاء العملاء ويعزز هوامش الربحية. أما ثالثا، فامتلاك بيانات خاصة أو فريدة تتيح للشركة توظيف الذكاء الاصطناعي بطرق يصعب على المنافسين تقليدها، مما يوفر لها ميزة تنافسية مستدامة.
رغم الفرص الواعدة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، تظل هناك ثلاثة تحديات رئيسية ينبغي على المستثمرين أخذها في الاعتبار. أولا، عامل التوقيت، إذ غالبا ما يتطلب تحول الابتكارات التقنية إلى نتائج مالية ملموسة وقتا أطول مما تتوقعه الأسواق. ثانيا، المنافسة، حيث قد تؤدي الوفورات المتحققة من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى خفض الأسعار لصالح العملاء بدلا من تعزيز ربحية الشركات. أما ثالثا، فتتمثل في التكاليف المستمرة المرتبطة بتشغيل وتطوير حلول الذكاء الاصطناعي، والتي قد تستحوذ على جزء من المكاسب المتوقعة وتحد من أثرها الإيجابي على الأرباح.