Note: English translation is not 100% accurate
سلسلة "الأنباء" عن ثورات الربيع (13)
مصر.. ثورة الفيسبوك
23 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء




الجيش التزم الحياد في المواجهات بين النظام والشعب
بقلم: محمد الحسينيعلى غرار الثورة التونسية أطلق على الثورة المصرية اسم التاريخ الذي بدأت به رسميا أي 25 يناير بعد 11 يوما على فرار الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في تونس، رغم ان كثيرين خاصة في الغرب اطلقوا عليها اسماء مختلفة منها ثورة «اللوتس».
كانت ثورة مصر ثورة مواقع التواصل الاجتماعي بامتياز وخاصة موقع «فيسبوك» الذي فرض نفسه بقوة على الحياة السياسية المصرية منذ 2008 عندما نجح اول اضراب دعت اليه الناشطة الشابة اسراء عبدالفتاح في 6 أبريل عام 2008 عبر الموقع.
منذ ذلك التاريخ شهدت الساحة المصرية وبوتيرة متصاعدة حضورا اكبر للتجمعات السياسية التي ساعد في تكوينها الإنترنت الى جانب المجموعات السياسية التقليدية التي كانت تجتمع على ضرورة اصلاح النظام ووقف العمل بقانون الطوارئ الذي اطلق العنان لممارسات تعسفية وأعمال تعذيب ادت لموت العديد من الشباب والشابات منهم خالد سعيد الذي تأسست مجموعة نشطاء باسمه وسيد بلال وغيرهما، والحيلولة دون مساعي رئيس الجمهورية محمد حسني مبارك لتوريث الحكم الى نجله جمال الشخصية الجدلية التي كانت ذات حضور قوي على الساحة السياسية.
كان مقررا للانتخابات الرئاسية ان تقام في اكتوبر وحتى بداية عام 2011 وفي ظل الحملة الإعلامية ضد التوريث ظلت الامور غامضة بشأن هوية مرشح الحزب الوطني لانتخابات سبتمبر 2011 رغم بعض التصريحات المتفرقة ومنها تصريح امين عام الحزب صفوت الشريف في 25 اغسطس 2010 بأن الرئيس هو مرشح الحزب لولاية سادسة في محاولة لتهدئة حالة الاحتجاج المتصاعدة ضد جمال والتي كانت ازدادت حدة بعد الانتخابات البرلمانية في 2010 التي شهدت تزويرا على نطاق واسع بحسب المراقبين الدوليين.
وقد اقيمت هذه الانتخابات في اعقاب تعديلات دستورية مثيرة للجدل وساهمت في سحق الحضور السياسي للمعارضة في البرلمان بشكل مريب وكان اول المستهدفين فيها جماعة الاخوان المسلمين.
حملت الثورة المصرية ضد نظام محمد حسني مبارك كثيرا من التميز والاستثناء التاريخي الذي ابهر العالم على مستوى الثورات الشعبية السلمية، وأبرز عناصرها الى جانب الشق المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي الذي اشرنا اليه، كان التنسيق والتنظيم الشبابيين لها واللذين اسهمت بهما مجموعات كبيرة من الشباب غالبيتهم من الطبقة الوسطى وليست الطبقة المعدمة اقتصاديا، حرصوا على عدم تبني اي هيكل تنظيم تقليدي خوفا من استهدافهم من قبل الامن المصري الذي عرف حتى تاريخ الثورة بأنه من الأقسى والأقوى على مستوى العالم، وقد نجحوا في ذلك بامتياز، وألهموا كما الثوار التونسيين باقي الثورات والانتفاضات في الدول التي امتد إليها الربيع العربي.
وإلى ما سبق ساهمت وسائل الاعلام العربية لاسيما قناتي «الجزيرة» و«العربية» عبر نقل مباشر مكثف في تحريك الشارع العربي ورفع معنويات فئات الشعب الثائرة وإفشال محاولات قطع الاتصالات وغيرها من الوسائل التي لجأ إليها النظام. وقد ساعدت في تصعيد الضغوط كذلك الاخبار العاجلة من اميركا ودول القرار في المجتمع الدولي التي بدأت بدعوة مبارك لإصلاحات فورية مرورا بتسليم سلمي للسلطة وصولا الى فقدان الشرعية وضرورة التنحي.
ويبقى عامل مهم جدا ومشترك مع ثورات الربيع في أوروبا الشرقية كان السبب الرئيسي في الاطاحة بنظام مبارك وحزبه وهو التزام الجيش المصري المؤسسة الرسمية الأهم والأكثر احتراما في البلاد «الحياد» في المواجهة بين النظام والشعب ورفضها الانضمام الى قوات الأمن النظامية وغير النظامية (المعروفة بالبلطجية) في مواجهة الثوار، كما عرفت هذه المؤسسة بمعارضتها لمشروع توريث الحكم الى جمال مبارك، وهذا ما كشفته وثائق «ويكيليكس» المسربة من الخارجية الأميركية.
اندلعت أحداث الثورة يوم 25 يناير عندما تظاهر محتجون في عدة مدن ضد الفقر والأوضاع السياسية عامة في يوم غضب تمت الدعوة إليه عبر الفيسبوك وشهد مواجهات سقط خلالها 3 من المتظاهرين ورجل أمن.
وفي 27 يناير وصل إلى البلاد المدير العام السابق للوكالة الذرية محمد البرادعي الذي طرح نفسه مرشحا للرئاسة وواجه حملة من مؤيدي النظام السابق استهدفت أمورا شخصية تتعلق به وبعائلته، وقد حث البرادعي المحتجين على تصعيد احتجاجاتهم.
في اليوم التالي انتشر الجيش في مختلف محافظات البلاد لحفظ النظام والأمن بطلب من مبارك، وفي 31 يناير أعلن مبارك عن تعيين رئيس المخابرات عمر سليمان بمنصب نائب الرئيس وشكل مبارك حكومة جديدة برئاسة أحمد شفيق لتخلف حكومة رجال الأعمال التي ترأسها أحمد نظيف وضمت وزراء مقربين من زوجة الرئيس سوزان مبارك وابنه جمال، اللذين تنامى نفوذهما في سنوات حكمه الأخيرة، لتتولى مع سليمان الحوار مع المحتجين الذين لم تقنعهم هذه الخطوات واعتبروها متأخرة وغير كافية فصعدوا من احتجاجاتهم اعتبارا من الأول من فبراير مطالبين بتنحي مبارك وذلك بتجمعات يومية ضخمة في «ميدان التحرير» بالقاهرة بالتزامن مع تجمعات في عدد من الساحات في أنحاء مختلفة من البلاد، وقد قطعت السلطات الانترنت ووسائل الاتصال في محاولة للجم تفاقم الاحتجاجات.
قال الرئيس مبارك في مقابلة مع الإعلامية الأميركية كريستيان أمانبور في 3 فبراير انه لا يرغب في التجديد لولاية جديدة كما أعلن في خطاباته تعليقا على الاحتجاجات ولكنه لا يستطيع ان يترك الحكم لأن ذلك سيغرق البلاد في فوضى عارمة، كما أكد أنه لن يغادر مصر وسيموت على أرضها.
رفض مبارك التنحي فدعا الثوار إلى تجمع ضخم في يوم الجمعة 4 فبراير تحت عنوان «جمعة الرحيل» شارك فيه أكثر من مليون محتج.
في 6 فبراير حاول النظام ممثلا بنائب الرئيس عمر سليمان التفاوض مع المحتجين عبر لقاء عقده بحضور عدد من الشباب وممثلين عن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة حتى حينه، لكن بدا واضحا أن تأثير الاجتماع أقل بكثير من المطلوب لإعادة الهدوء ووقف الاحتجاجات.
شهدت أغلب أيام الثورة مواجهات عنيفة بين قوات الأمن مساندة بمجموعات «البلطجية» والمتظاهرين أدت إلى سقوط 850 قتيلا وأكثر من 6000 جريح، وأشهر تلك المواجهات عرفت بـ «موقعة الجمل».
في 10 فبراير أعلن ان الرئيس مبارك سيلقي خطابا كان متوقعا فيه أن يعلن قرارات مصيرية، لكن الخطاب جاء معقدا وباردا وعُلم لاحقا أنه خضع لتعديلات من جمال ابن الرئيس، أعلن فيه مبارك أنه ينقل صلاحياته إلى نائب الرئيس دون أن يتنحى، وقوبل فورا بهتافات الملايين في ميدان التحرير «ارحل» و«الشعب يريد إسقاط النظام»، وقد ازداد عدد المشاركين في تجمع «التحرير» الى نحو 3 ملايين مصري في لحظة تاريخية. كما قامت مجموعات منهم بالزحف إلى مقر الرئاسة وبمحاصرة مبنى وزارة الإعلام في ماسبيرو والذي حال الجيش دون اقتحامه وكان الإعلام المصري الرسمي طوال أيام الثورة قد تجاهلها بشكل شبه تام بتوجيهات من وزير الإعلام أنس الفقي.
أمام هذا الواقع لم يجد الرئيس مخرجا غير التنحي، وتم اعلان تنحيه في خطاب مقتضب جدا في 11 فبراير لنائب الرئيس عمر سليمان قال فيه الأخير إن مبارك تخلى عن منصبه ليتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد.
ثارت تكهنات بشأن مغادرة مبارك وعائلته مصر لكن تبين لاحقا انهم توجهوا إلى شرم الشيخ.
بعدها وفي ظل استمرار الاحتجاجات و«الاحتفالات» بتنحي مبارك ألقي القبض على وزير الداخلية حبيب العادلي في 17 فبراير.
في 22 فبراير شكلت حكومة جديدة أدت اليمين الدستورية أمام رئيس المجلس العسكري المشير محمد حسين طنطاوي برئاسة أحمد شفيق لكنها تعرضت لانتقادات حادة كونها ضمت وزراء من عهد مبارك في وقت تصاعدت فيه المطالبات بحظر الحزب الوطني ومنع رموزه من العمل السياسي.
وفي 3 مارس كلف وزير النقل الأسبق عصام شرف بتشكيل حكومة جديدة، وفي 19 مارس أجري استفتاء على تعديلات دستورية لإجراء انتخابات برلمانية في سبتمبر 2011 تليها انتخابات رئاسية ووافقت غالبية كبيرة من المصريين عليه، كما اقر قانون جديد للأحزاب في 23 مارس وتم احتجاز أغلب رموز النظام السابق بدءا من الرئيس الى رئيس الوزراء أحمد نظيف وعدد كبير من الوزراء والمسؤولين الأمنيين وتم تسريح المئات من قادة الأمن الذين حُملوا مسؤولية سقوط «الشهداء».
ولكن ادى تأخر محاكمة رموز النظام الى تجدد الاحتجاجات الضخمة لاسيما ايام الجمعة وإلى رفض الثوار الدعوات لفض اعتصام «التحرير» وأمام الاحتجاجات استقالت حكومة شرف، وشكل رئيس الوزراء حكومة جديدة ادت القسم في 21/7/2011 أمام المشير طنطاوي.
وفي 3 أغسطس 2011 وعلى مرأى من العالم اجمع بدأت المحاكمة العلنية للرئيس مبارك وابنيه علاء وجمال في نقطة حققت ما اعتبره كثيرون المؤشر الأهم على نجاح الثورة.
ثورات الربيع
من صراع القوميات الذي تصاعد إلى حربين عالميتين، إلى صراع الأيديولوجيا الذي أدخل العالم في حرب باردة بين «الجبارين»، وصولا الى ما يسمى بعصر القطب الواحد والعولمة، شهد العالم ثورات وانتفاضات شعبية لن تُنسى لاسيما تلك التي اتسمت بالطابع السلمي.
بعد انتصارها في الحرب الباردة واجهت الولايات المتحدة عمليات استهداف معادية من جماعات إسلامية سبق ان دعمتها أميركا في حربها الضروس ضد الاتحاد السوفييتي في افغانستان. وصلت حركة طالبان إلى السلطة في افغانستان عام 1994، ووفرت ملاذا آمنا لتنظيم «القاعدة» الذي أسسه أسامة بن لادن بين عامي 1988 و1989 أعلن حربه رسميا على الولايات المتحدة، وأولى عملياته البارزة كانت محاولة تفجير برج التجارة العالمي في 1993، ثم استهدف السفارتين الأميركيتين في تنزانيا وكينيا عام 1998، قبل أن ينفذ هجمات 11 سبتمبر التي كرست عمليا نظرية كان قد أطلقها استاذ العلوم السياسية صامويل هنتنجتون عام 1993 عن «صراع الحضارات» اعتبر فيها أنه بعد الحرب الباردة ستكون المواجهة الأعنف على أساس الحضارة، مستعرضا عددا من المواجهات المحتملة للحضارة الغربية مع الاسلام والحضارتين الصينية والاندوكية (الهندية).
مسار الأحداث والصراع بين «القاعدة» والغرب أعطى النظرية زخما منقطع النظير ودارت نقاشات مطولة، غالبا ما كانت تنتهي إلى أن المجتمعات الإسلامية ممانعة بحضارتها وموروثاتها للديموقراطية، مستشهدين بالثورة الإيرانية التي لم تفض إلى ديموقراطية بمفهومها الغربي رغم سلميتها، واستبعد كثير من الخبراء وبينهم هنتنجتون أن يشهد العالم العربي ثورات شبيهة بتلك الثورات التي حررت دول أوروبا الشرقية قبل وبعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي.
رحل هنتنجتون عام 2008 قبل 3 سنوات من أحداث اجتاحت فجأة العالم العربي فيها الكثير من سمات الحركات التحررية والديموقراطية السلمية التي سبق ان شهدها الغرب بدءا من أحداث 1968 في فرنسا إلى ربيع براغ ثم سقوط الجدار، كما لم يشهد قبل وفاته أحداث النرويج في 22 يوليو 2011 والتي تؤكد أن اليمين المسيحي ليس بأقل تطرفاً من اليمين الإسلامي.
ارجاء كثيرة من العالم العربي المسلم بغالبيته شهدت خروج ملايين الشباب إلى الشوارع بحماس منقطع النظير، بدأ في تونس وامتد الى دول أخرى تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» مستفيدين من ثورة التكنولوجيا القادمة من الغرب والإعلام الجديد الذي قدمته شبكة الإنترنت.
قوبلت الثورات بترحيب غربي وبذلت الدول الغربية وسفاراتها جهودا كبيرة على غرار تلك التي بذلتها في نهاية الثمانينيات في أوروبا الشرقية.
وحاولت مساعدة الثوار في أكثر من حالة كان أوضحها ليبيا على تشكيل سلطة مؤقتة بديلة تتولى المرحلة الانتقالية خلال وبعد سقوط النظام.
بمناسبة ما أطلق عليه «الربيع العربي» نستعيد بالذاكرة بعض الثورات المشابهة في اوروبا والعالم خلال العقود الماضية منها الثورة المخملية في تشيكوسلوڤاكيا والثورة الوردية في جورجيا والبرتقالية في أوكرانيا وثورة التوليب في قيرغيزيا وثورة البلدوزر في صربيا وثورة الغناء في دول البلطيق، إضافة إلى بعض تجارب القرن الماضي في مجال النضال السلمي للحركات التحررية وصولا إلى الثورات العربية.
واقرأ ايضاً:
الحلقة الأولى: ثورة تشيكوسلوفاكيا المخملية غيّرت وجه أوروبا
الحلقة الثانية: بالغناء خاضت دول البلطيق ثورتها وتحررت من الاتحاد السوفييتي
الحلقة الثالثة: «ثورة البلدوزر» أطاحت بميلوسيفيتش أكبر ديكتاتوريي العصر الحديث
الحلقة الرابعة: بالورود وشعار «كفاية» أطاحت الثورة الوردية بنظام شيفرنادزه في جورجيا
الحلقة الخامسة: ثورة أوكرانيا البرتقالية.. أنشودة ديموقراطية عابرة؟
الحلقة السادسة: سقوط جدار برلين.. ثورة الثورات
الحلقة السابعة: «الثورة الصفراء».. «قوة الشعب الأولى» أنهت 20 عاماً من ديكتاتورية ماركوس في الفلبين بشعار «ارحل».. واللون الأصفر
الحلقة الثامنة: «ثورة الطناجر» في الأرجنتين أتت بـ 5 رؤساء في أسبوعين
الحلقة التاسعة: أحداث 1968 في فرنسا..«منع الممنوع»
الحلقة العاشرة: «ثورة التوليب».. الثوار أطاحوا بالرئيس ثم اختلفوا
الحلقة الحادية عشرة: «الديكتاتورية» و«نيّة التوريث» أطاحتا بتشاوشيسكو ديكتاتور رومانيا في ثورة 1989
الحلقة الثانية عشرة: تونس.. الشعب يريد