Note: English translation is not 100% accurate
بعد مرور عامين على استئناف الحياة الطبيعية بنهاية الحرب العالمية الأولى
أنتورب 1920: دورة للسلام.. وبزوغ نجم نورمي «والمناضل» فيليب بيكر
6 يوليو 2012
المصدر : الأنباء

بعد مرور عامين على استئناف الحياة الطبيعية في أوروبا اثر الحرب العالمية الأولى التي حصدت البشر والحجر، وتحمل تداعياتها وآثارها على الأصعدة كافة، كانت الألعاب الاولمبية الحديثة بدورها على موعد مع «إقلاع جديد»، والمحطة الجديدة هي مدينة أنتورب البلجيكية التي احتضنت نسختها السابعة. وقتذاك، كان من الصعب جدا وفي ظل مخلفات الدمار والخراب التنطح لتنظيم المسابقات الكبيرة، مثل الألعاب الاولمبية التي بدأت تأخذ طابعا مختلفا منذ الدورة السادسة في ستوكهولم، قبل ثمانية أعوام، وان وقفت بعدها ويلات المعارك حاجزا أنسى العالم الاستعداد النفسي للمنافسات لكنه لم ينسه حجم الدورة السابقة واخبارها وأجواءها. أنفير المعتبرة مدينة الألماس والتجارة كانت محظوظة ان يتولى هؤلاء الإسهام في إقامة المنشآت التي استضافت الألعاب، فضلا عن نصب خلد ذكرى الأموات والضحايا في الحرب العالمية الأولى.
وعموما كانت الدورة السادسة المقررة في برلين عام 1916 مناسبة للاحتفال بمرور 20 عاما على احياء الألعاب الحديثة، لذا أعد رئيس اللجنة الاولمبية الدولية بيار دو كوبرتان العلم الاولمبي ذي الحلقات الخمس التي ترمز إلى القارات الخمس والألوان الخمسة الموجودة كلها في إعلام الدول.
القسم الأولمبي
وحدد نص القسم الاولمبي «نقسم إن نتبارى محافظين على الأنظمة المرعية بكل روح متسامحة وأخلاق حميدة لشرف بلادنا ومجد الرياضة»، غير ان الحرب أجلت هذا الإطلاق الجديد. وعند الخامسة من مساء 14 أغسطس 1920 أعلن الملك ألبير الأول افتتاح الألعاب التي استمرت حتى 12 سبتمبر بمشاركة 2607 رياضيين بينهم 64 امرأة من 29 بلدا. وسجلت مشاركة أولى لكل من الأرجنتين والبرازيل وموناكو وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا.
عقاب الخاسرين
«وعوقب» المنهزمون في الحرب، فلم توجه دعوات إلى ألمانيا والنمسا وبلغاريا وهنغاريا وتركيا وغابت روسيا البلشفية طوعيا «لأن الأولوية منصبة على إعادة البناء على الأصعدة كافة وفق مفهوم حق الشعب ومصالحه».
وتنافس المشاركون في 144 مسابقة في ألعاب الملاكمة والمصارعة والدراجات وكرة الماء والجمباز والتجديف والفروسية والركبي والمسابقة الخماسية والرماية وألعاب القوى وكرة التنس ورفع الأثقال والمبارزة واليخوت والسباحة والغطس والبولو وكرة القدم والهوكي على العشب والهوكي على الجليد والرقص على الجليد.
رفع العلم الأولمبي
وشهد الافتتاح رفع العلم الاولمبي للمرة الأولى، وتلاه القسم الاولمبي من قبل بطل المبارزة البلجيكي فيكتور بوان وأطلقت في الفضاء 2000 حمامة بيضاء رمزا للسلام، ووقف الجميع دقيقة صمت على أرواح الرياضيين الذين قضوا في الحرب وبينهم العداء الفرنسي جان بوان، الذي أصيب في معركة فردان ولما علم منافسه الفنلندي هانيس كوليهماينن الذي فاز عليه في سباق 5000 م في دورة ستوكهولم، بكى تأثرا شارك في سباق الماراثون وأحرز لقبه وحل شقيقه نانو عاشرا.
تألق نورمي
ميدانيا، شهدت دورة أنتورب تألق الفنلندي بافو نورمي الذي انتزع ثلاث ذهبيات في جري المسافات المتوسطة والطويلة، وبقي الأميركي ديوك كاناهاموكو الأسرع في السباحة غير ان الحوض الذي شهد انتصاراته، شيد على أرضه في سنوات الازدهار الاقتصادي مرآب للسيارات من 20 طابقا، كونه يقع في نقطة استراتيجية بين محطة السكك الحديدية والطريق السريعة، وحصد بطل المبارزة الايطالي نيرو نادي خمسة ألقاب، وفازت الفرنسية سوزان لنغلن بكرة المضرب من دون ان تخسر أي مجموعة في مبارياتها.
وفي رصيد الميداليات، جمعت الولايات المتحدة 41 ذهبية و26 فضية و27 برونزية، تلتها السويد (19 ـ 17 ـ 26) ثم بلجيكا (16 ـ 12 ـ 13) وبريطانيا (15 ـ 16 ـ 12)، وفنلندا (14 ـ 10 ـ 8).
وعموما كان نورمي وبلاده فنلندا حديث الألعاب لاسيما ان «أبطال القوى الشماليين» حصدوا 9 ذهبيات أي بمقدار ما جمعه الأميركيون، ما حدا بكوبرتان إلى التعليق قائلا: «من قال إن الدول والأمم الكبيرة تستطيع وحدها السيطرة، وبمقدار ما تنفقه تحصد النتائج وتجني ابطالا».
أخبار وقصص
ولعل البارز في «أنتورب 1920» أخبار وقصص لم يدخل سباق الماراثون ضمن بطولاتها وان كانت مسافته في الدورة الأطول إذ بلغت 42.750 كلم كما تردد ان الغاية الرئيسية من إعداد قسم للاعبين، هو حثهم على الالتزام بميثاق شرف وعدم الغش لاسيما فيما يتعلق بالماراثون تحديدا «والمساعدات» التي كان يلجأ إليها عدد من العدائين لضمان الوصول إلى خط النهاية.
ميدانيا، شكل كوليهماينن ونورمي ثنائيا لا يقهر، وأجمع رجال الصحافة على ان نورمي ظاهرة استثنائية في سباق 5000م تحديدا، إذ انه «يفرض إيقاعه ويكيفه وفق مقتضيات ظروفه». غير ان رأي الفرنسي جوزف غيومو (20 عاما) كان مختلفا، فقد تجاوز نورمي في اللفة الأخيرة من السباق وتحت أنظار العاهل البلجيكي، وتقدم عليه بمسافة 30 مترا عند خط النهاية، «وكأن سيارة ليموزين فارهة تتجاوز عربات الخيل».
فيلم وثائقي
ويتذكر غيومو في فيلم وثائقي صور أواخر السبعينيات من القرن الماضي انه «قبل ثلاثة أسابيع من موعد السباق الاولمبي في إطار تحضيراتي اليومية المكثفة، خضت سباقا اختباريا بمفردي عند الخامسة صباحا، واجتزت المسافة بزمن مقداره 13.57 دقيقة فأيقنت ان استعدادي جيدا، علما بأني توجست من إمكانية الخطأ في احتساب اللفات خشية ان أكون جريت مسافة أقصر لأن الرقم المسجل كان ممتازا».
ويضيف غيومو «الطريف ان الفنلنديين أعجبوا بأسلوبي في الجري وكيفية تجاوزي نورمي وكانوا أول من هنأني في أنتورب».
ظاهرة النموذج
وإلى مفارقات غيومو ـ نورمي، تجلت ظاهرة النموذج «البريطاني في سباق 1500م العداء فيليب نويل بيكر، موحي الفيلم السينمائي الشهير «عربات النار».
لقد جسد بيكر بداية البروز البريطاني في ألعاب القوى وتحديدا في المسافات المتوسطة بفضل تألق طلاب جامعتي كامبريدج وأوكسفورد الذين كانوا العمود الفقري للمنتخب البريطاني ما بين 1912 و1928، فشكلوا غالبية نجومه، وللمفارقة فإن فريق القوى البريطاني في دورة اتلانتا 1996 أي بعد 76 عاما، ضم اثنين فقط من الجامعتين.
ويلخص بيكر المثالية في التعاطي في شؤون الحياة، وهو المتمسك بعقيدة السلام والأولوية للمفاوضات ودور الرياضة والمثل الاولمبية في التربية والتعليم والثقافة، والريادة في التضحية والعطاء... وفي المهمات كلها التي أنيطت به والمناصب التي تولاها، كرس حياته للسلام ونزع السلاح، وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 1959.
حل بيكر في ستوكهولم سادسا في سباق 1500م، وكان التقى زوجته نويل في خضم الحرب عام 1915، ولما اقترن بها قرر ان يجعل اسمه ثلاثيا بحيث يضم اسمها إلى جانب اسمه فأصبح «فيليب نويل بيكر».
وبعدما كان من المفاوضين لإعلان وقف الحرب عاد نويل بيكر إلى المضمار واستأنف الإعداد ليتأهل من جديد للدورة الاولمبية التالية، حيث أنهى السباق بفارق 5% من الثانية خلف الفائز به مواطنه ألبير هيل بطل الـ 800م أيضا.