Note: English translation is not 100% accurate
«القوة الألمانية» تصدرت ترتيب الميداليات أمام أميركا والمجر.. وأوينز وأبطال مصر نجوم الدورة
أولمبياد «برلين 1936».. أفضل دعاية للحزب النازي وهتلر قبل الحرب العالمية
10 يوليو 2012
المصدر : الأنباء



لفت عدد كبير من المؤرخين إلى ان برلين في عام 1936 كانت آخر مكان يمكن أن يستضيف الألعاب الاولمبية، نظرا لموجة العنصرية التي كانت سائدة في ألمانيا، وهي طبعا عكس المثل الاولمبية ومبادئها السامية.
أقرت اللجنة الاولمبية الدولية منح برلين تنظيم ألعاب الاولمبياد الـ 11 عام 1932، لكن الحزب النازي بقيادة أدولف هتلر تسلم مقاليد حكم ألمانيا العام التالي، واتخذ من إقامة الألعاب عنصر دعاية مهما ودعما وإلهابا لحماسة الشعب وتقوية روح الاعتزاز بالعنصر الآري لدى أفراده، ما جعلها تفقد للمرة الأولى غايتها المثلى وتحيد عن هدفها الحقيقي الذي أراده باعثها البارون الفرنسي بيار دو كوبرتان، وهو دعم روح الصداقة بين الرياضيين المشاركين لنشر السلام العالمي. وللمصادفة، فان دو كوبرتان توفي في العام التالي لاختتام الاولمبياد الـ 11، ودفن قلبه في اولمبيا (اليونان).
ويذكر ان دولا عدة سعت الى نقل الالعاب الى مدينة برشلونة الاسبانية، التي زاحمت برلين عند الترشح. غير ان الحكم الفاشي الذي ساد إسبانيا وقتذاك عمل على أن تبقى المنافسات في برلين، وهي أقيمت بين 2 و 16 أغسطس بمشاركة 4973 رياضيا بينهم 328 لاعبة من 49 دولة.
وحضرت للمرة الأولى بعثات من أفغانستان وجزيرة برمودا وبوليفيا وكوستاريكا وليشتنشتاين وبيرو. وشمل برنامج المسابقات كرة السلة والملاكمة والمصارعة والدراجات وكرة الماء وكرة اليد واليخوت والسباحة والغطس والبولو والخماسي الحديث والرماية ورفع الأثقال والجمباز والتجديف والفروسية والمبارزة والهوكي على العشب وكرة القدم وألعاب القوى. وأصبحت كرتا السلة واليد للمرة الأولى ضمن البرنامج الرسمي.
وتصدرت «القوة الألمانية» ترتيب الميداليات بـ 33 ذهبية و26 فضية و30 برونزية، أمام الولايات المتحدة (24 ـ 20 ـ 12) والمجر (10 ـ 1 ـ 5). لكن نجم الدورة التي حظيت بحضور مكثف (نحو 3 ملايين شخص) لم يكن ألمانيا إنما جيسي اوينز (23 عاما) القادم من الاباما في الجنوب الأميركي والذي انتزع أربع ذهبيات في سباقات 100م و200م والتتابع 4 مرات 100م والوثب الطويل، ومنح الرباعون المصريون بلادهم الميداليات من المعادن المختلفة، إذ فاز خضر التوني بذهبية وزن المتوسط، ومحمد مصباح بذهبية وزن الخفيف، وصالح سليمان بفضية وزن الريشة، وإبراهيم شمس ببرونزيته، وإبراهيم واصف ببرونزية خفيف الثقيل.
الصدارة لألمانيا والنازية
وتوجت ألمانيا بطلة اولمبية، وصفق 100 ألف متفرج بحرارة للملازم الشجاع، رفعت ألمانيا سقف التحدي عاليا، فشيدت في اشهر معدودة ملعبا عملاقا يتسع لـ 110 آلاف متفرج، ولايزال صامدا حتى الآن شاهدا على عصر الهندسة والتصاميم النازية، وخصصت للرياضيين قرية اولمبية مترامية الأطراف وسط غابة ومناظر خلابة، واعتمد حوض سباحة اولمبي تحيط به مدرجات تتسع لـ 20 ألفا. وكان ستاد برلين أصلا معلما معماريا أنجز العام 1912، ويتسع لـ 30 ألفا، ويضم مضمارا للجري بلفة طولها 600م بطلب من الاتحادات الرياضية وقتذاك. وعهدت السلطة إلى البروفيسور مارش نجل مهندس الستاد بتوسعته.
ولما دخل هتلر بعد انتهاء الأعمال وجده صغيرا من وجهة نظره فيما يتعلق بأنشطة الحركة النازية وشبيبتها وتجمعاتها، إذ لم تكن للرياضة الأفضلية والأهمية في هذا الإطار.
لكن الغاية تبرر الوسيلة، فمن اجل أفضل إخراج للألعاب يعكس الصورة الايجابية للنازية و«تسامحها» وترحيبها، طلب الفوهرر من وزير الدعاية والأعلام في حكومته جوزف بول غوبلز أن يحول برلين إلى واحة تسامح وألفة، وكان يجول معه وبصحبة قائد الطيران هيرمان غورينغ متفقدين مرافق الدورة ومطلعين على تطور الاستعداد لها، فلا عجب أن علقت أعلام عملاقة تحمل شعارين متناقضين الصليب المعقوف والحلقات الاولمبية، ولم يعد غريبا سماع صيحات الشبيبة النازية تحيي الشعلة والألعاب وهي ترتدي زيا واحدا، ويرافق أفرادها الوفود ومن جديد الألعاب التصوير التلفزيوني والإنتاج السينمائي. فيلم عن الدورة وأجوائها صورته وأخرجته ليني ريفنشتال (36 عاما) وأرادته من دون تعليق يثير اهتمام الجميع وليس محبي الرياضة ومزاولي ألعابها فقط. لكن «اعتبره بعض الحساد دعاية لهتلر واني مقربة منه واعمل بإيحائه وكأني بامبادور الرايخ الثالث لكن حصلت على إذن تصويره من اللجنة الاولمبية الدولية، وهو نجح لأنه تعاطى باستقلالية تامة مع الأفكار والاتجاهات»، علما ان غوبلز تمنى الا تركز مشاهده كثيرا على الابطال من الأعراق الملونة. أما التطور التلفزيوني والنقل المباشر فبدأ من خلال الموجات الهرتزية المبثوثة عبر الكيبلات وكانت أيضا بداية اعتماد الكاميرات السائرة على سكة خاصة إلى جانب مضمار الجري.
في 2 اغسطس 1936 استعرض هتلر في الستاد 4 آلاف رياضي ممدودي الأيدي في تحية «اولمبية غير مألوفة» وبعضهم تصرف على طريقته وبينهم الأميركيون الذين ساروا أمام المقصورة الرئيسة وقبعاتهم ملصقة بصدورهم. وفاقت الهستيريا الجماهيرية كل حد، وكانت لها ردة فعل معاكسة على الأبطال الألمان المطالبين بالفوز ولا شيء غيره ما ولد ضغطا كبيرا على كاهلهم، فكانت الصيحات ترتفع من كل صوب توجه وتحفز. كما حصل مع رامي القرص ويلي شرودر إذ نافس وأذناه تضجان بجملة واحدة «وأنت ترمي فكر في وطنك وزعيمك..». لكنه خسر بفارق أكثر من متر أمام الأميركي كين كاربنتر.. غير أن هتلر سر من الألمانيات تحديدا، إذ سجلت جيزيلا مورماير رقما عالميا في رمي القرص (47.63 م)، وهزمت لويز كينجر بطلة رمي الرمح الپولندية ماريا كاوسنيكايا (43.29 م في مقابل 41.83 م)، لكن تيلي فلايشر خطفت الأضواء الأخيرة بتسجيلها رقما اولمبيا مقداره 45.18 م. ولعل الألمان عموما وهتلر وأركانه خصوصا ارتاحوا لنتائج منافسات القوة التي أظهرت أن الشعب يسير إلى الإمام.
وسطع نجم جيسي اوينز، فقبل عام واحد حطم أو عادل 6 أرقام عالمية، وسبقته شهرته إلى برلين كونه «ملك سباقات السرعة والوثب الطويل.في نصف نهائي سباق 100 م خطف اوينز البريق والاهتمام كلهما، إذ سجل 10.2 ثوان، لكن الزمن القياسي العالمي الجديد لم يعتمد بسبب تجاوزه سرعة الريح المعدل. انتقل أوينز إلى الدور النهائي ليواجه العداء الألماني بورش ماير الفائز في نصف النهائي الثاني ومحط أنظار مواطنيه، لكن فتى الآباما عادل الرقم العالمي 10.3، وحل مواطنه رالف متكالف (أسود أيضا) ثانيا (10.4 ث).. ثم فاز اوينز في سباق 200م (20.7 ث).
وفي التتابع 4 مرات 100م، أعطى اوينز العصا لزميله الرابع متكالف الذي هب كالريح إلى خط النهاية، والحصيلة رقم قياسي عالمي جديد من صنع أميركي (39.8 ث).كظم هتلر غيظه لعل وعسى يتمكن لوتس لونغ من النيل من اوينز في الوثب الطويل. وبدأ لونغ المنافسة مسجلا 7.54م في المحاولة الأولى، فرفع اوينز سقف التحدي مسجلا 7.74م، وسارع الألماني إلى بلوغ مسافة 7.84م، فحاصره الأميركي بـ 7.87م، ولم يستطع لونغ أكثر من معادلة هذا الرقم في محاولته الأخيرة مسجلا رقما أوروبيا جديدا. لكن أوينز استجمع قواه ليقول كلمته في مسك الختام ووثب 8.60م. رقم عالمي صمد 24 عاما.
نجحت «الألعاب وتلقى الفوهرر الشكر من رئيس اللجنة الاولمبية الدولية الكونت باييه لاتور، وطلب من الرياضيين الاستعداد لألعاب الاولمبياد الـ 12 بعد 4 أعوام في طوكيو. لكن شعلة الحرب وأعلامه تقدمت كل ما عداها من جديد وحرقت المثل والأهداف النبيلة. ومثلما ألغيت ألعاب طوكيو 1930، حذفت ألعاب لندن 1944. فلا وقت إلا للقتل والدمار.
جيسي أوينز.. بطل من كوكب آخر
لم تنجب حلبات أم الألعاب (ألعاب القوى) حتى اليوم مثل العداء الأميركي جيسي اوينز الذي هز العالم مرتين، الاولى عندما حطم وعادل 6 أرقام قياسية في مدى 45 دقيقة، والثانية عندما أحرز 4 ميداليات ذهبية في الألعاب الاولمبية التي استضافتها برلين عام 1936. وسطر اوينز «الأسود» المولود في 12 سبتمبر 1913 في دانفيل (الاباما)، اسمه بأحرف من ذهب في سجل ألعاب القوى العالمية في وقت لم تكن فيه وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية تملك القوة والسرعة كما هي الحال في عصرنا هذا.
وأبهر اوينز العالم في الألعاب الاولمبية في برلين وفي مقدمتهم الزعيم النازي ادولف هتلر عندما أحرز أربع ميداليات ذهبية لمنتخب بلاده الولايات المتحدة الاولى في سباق 100 م عندما سجل 10.3 ثوان (10.2 ث في التصفيات)، والثانية في سباق 200 م (20.7 ث)، والثالثة في الوثب الطويل (8.06 م) متقدما على البطل الالماني لوتس لونغ، والرابعة مع منتخب بلاده في سباق التتابع 4 مرات 100 م (39.8 ثانية)، وكان هتلر توقع ان تكون الألعاب الاولمبية فرصة لتأكيد تفوق البيض على السود، وهي الفرضية التي وضع لها اوينز حدا بتأكيده العكس.
وفي هذا الصدد صنف الرئيس الاميركي بيل كلينتون جيسي اوينز احد افضل عشرة رياضيين في القرن العشرين وقال «لم يسجل اوينز الارقام القياسية فقط، بل حطم خرافة هتلر القاضية بتفوق البيض مؤكدا ان العرق ليست له علاقة بالانتصارات في السباق».
وتوفي اوينز بسبب إصابته بمرض السرطان في الرئة وذلك في مستشفى جامعة اريزونا في توسكون في 20 مارس 1980 وعمره 66 عاما.