بقلم: حمد السريع - لواء شرطة متقاعدعام 1998 شكلت لجنة من قبل وزارة المالية برئاسة وكيل وزارة المالية عبداللطيف الحنيف وضمت عدة ممثلين من وزارات وجهات حكومية وكنت ممثلا عن وزارة الداخلية لوضع قانون لغسيل الأموال بعد ظهور عمليات ايداع مبالغ مالية غير معروفة المصدر في البنوك الكويتية دون اثبات مصدرها ومع اشعار النيابة العامة بتلك العمليات فإنها لم تتمكن من أن تتخذ إجراءات لعدم وجود تشريعات قانونية.
الدول الغربية ضغطت على الحكومة الكويتية لسن تشريعات تكافح جرائم غسيل الأموال لمعرفتها بظهور مثل تلك العمليات لديها.
وجودي باللجنة ممثلا عن وزارة الداخلية وانا مدير إدارة مكافحة المخدرات لان جريمة غسيل الاموال ارتبطت بجرائم المخدرات والعوائد المالية المتكسبة منها وشاركت في اجتماعات لجنة المخدرات الدولية التي اقرت الاتفاقية الدولية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات لعام 1988 المتضمنة للعديد من المواد القانونية المهمة في سبيل مكافحة المخدرات ومن اهمها المادة الخامسة والمتعلقة بالمصادرة.
اقترحت على اللجنة مخاطبة مجلس الوزراء للمصادقة على الاتفاقية الدولية من قبل مجلس الأمة الذي اعيدت له بعد رفضها في المرة الأولى مع توضيح أهمية ان اصدار قانون لمكافحة غسيل الأموال لا يمكن اتمامه الا بالتوقيع والمصادقة على الاتفاقية من قبل الحكومة ومجلس الأمة.
كلفت من قبل اللجنة بتقديم مسودة قانون وعرضها على اللجنة وتبين ان الدول العربية حتى عام 1998 لم تكن لديها اي تشريعات قانونية تتعلق بمكافحة غسيل الأموال عدا جمهورية مصر العربية حيث كان لديها قانون (من اين لك هذا) ويختلف كثيرا عن قانون غسيل الأموال ودولة الإمارات العربية وكان لديها مشروع قانون لغسيل الأموال لم يقر.
أُعد مشروع القانون وجرت مناقشة مواده القانونية لمدة تزيد على الشهرين وأقرت اغلب المواد القانونية بتوافق الآراء وتم التحفظ على عدة نقاط قانونية ورفع مشروع القانون الى مجلس الوزراء ودرسته اللجنة القانونية في مجلس الوزراء وعرض على مجلس الأمة الذي وافق على إصداره بعد دراسته وان كان لدينا عليهم عتب في عدم استدعاء اللجنة المكلفة بإعداد مشروع القانون لتعرف الاختلاف في وجهات النظر والقصور بالتشريع والذي تعاني منه سلطة الاتهام (النيابة العامة) الآن.
القانون
قانون غسيل الأموال
يتكون من عدة فصول وسنتطرق له في عجالة دون شرح موسع:
الفصل الأول: تعريف عمليات غسيل الأموال وتجريمها.
جميع مواد القانون في الفصل الأول تتطرق الى جريمة غسيل الأموال وربطها بالجريمة الأصلية كالاتجار بالمخدرات او الجرائم التي تتحصل منها اموال وعوائد غير مشروعة.
الفصل الثاني: التزام المؤسسات المصرفية والمالية والجهات الحكومية.
مواد قانونية تتعلق بالتزام المؤسسات المصرفية بتقديم المعلومات عن أي شبهات جنائية لأموال غير معروفة المصدر للنيابة العامة وإيجاد آليات تتوافق مع القانون في فتح الحسابات وتدريب العاملين لديها وابلاغ الجمارك من قبل المسافرين عن اي مبالغ مالية بحوزتهم وتأكيد ان النيابة العامة هي الجهة المخولة بالتحقيق في قضايا غسيل الأموال.
الفصل الثالث: العقوبات
المواد القانونية التي أوجدت العقوبات المناسبة لمثل تلك الجرائم وصلاحيات النيابة العامة في التحفظ والحجز اما المصادرة فهي من اختصاص المحاكم.
الفصل الرابع: التعاون الدولي
وكما اشرنا ان عملية غسيل الأموال مرتبطة بشركاء ومجرمين خارج دولة الكويت وتبادل المعلومات والتحقيق والتحفظ على الاموال وضعت لها مواد قانونية تطبيقا للاتفاقية الدولية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية لعام 1988.
بيان النيابة العامة في قضية الايداعات والتحويلات اثار ردود فعل كثيرة مختلفة عبر تعلقيات قانونية وغيرها وارتأيت توضيح بعض النقاط القانونية ليس دفاعا عن احد انما وجهه النظر التي تحفظت فيها على بعض المواد القانونية عندما عدلت اثناء دراسة المشروع المقدم من قبلي من قبل ثلاث جهات وهي: النيابة العامة ووزارة المالية والبنك المركزي.
نقاط الخلاف كانت في مادتين قبل ان يتسع القصور بعد تعديلات أجريت على مشروع القانون من قبل اللجنة الوزارية ومجلس الأمة وتصبح أخطاء قانونية جلية الوضوح.
الخلاف في اللجنة كان في تعريف السلطة ومسؤولية الاثبات.
تعريف السلطة
قانون الجزاء وقانون الإجراءات وكل القوانين الكويتية تحمل وتمنح الشرطة (المباحث الجنائية او السياسية) إجراء التحريات وتقديمها لسلطة التحقيق في الجناية او الجنح بل ترفض قبول أي قضية جنائية دون تحريات الشرطة في قضية غسيل الاموال ولأن الجريمة مرتبطة بحسابات مالية في مؤسسات مصرفية يصعب الوصول اليها الا بتعاون وموافقة تلك المؤسسات فإن اجهزة الداخلية تقف مكتوفة الأيدي حيث لا تستطيع إجراء التحريات رغم امكانية وصولها الى الكثير من المعلومات في اجهزة الدولة السرية والمعلنة.
في الدول الاوروبية وأميركا وهي دول تحافظ على سرية البنوك تقع مسؤولية التحري على الشرطة حيث تردها المعلومات من البنك المركزي عن أي تحويلات مالية تزيد عن المائة ألف دولار ليحقق فيها. كما ان بعض الأجهزة الأمنية وخاصة المباحث الفيدرالية والاستخبارتية لها الحق بالاطلاع على حركة الاموال في البنوك لجميع الحسابات كل ذلك يجعل تقديم التحريات الى السلطة المختصة ذات كم هائل من المعلومات القانونية القيمة تستطيع من خلالها سلطة التحقيق من الوصول الى الحقيقة.
عبء الإثبات
مسؤولية عبء الإثبات
الاتفاقية الدولية لمكافحة المخدرات وقوانين دول العالم الغربي ألزمت الشركة او الشخص مسؤولية عبء الاثبات للاموال المضبوطة بحوزته او الأموال المودعة بحسابه.
المادة (4) من القانون الكويتي لغسيل الاموال تلزم الشخص بالابلاغ عن المبالغ المالية التي يحوزها والتي لا تزيد عن ثلاثة آلاف دينار.
المسافر ابلغ او لم يبلغ عما بحوزته من مبالغ تزيد عن الثلاثة آلاف دينار غير معروفة المصدر ما هو الإجراء الذي سيتم؟
يحال للنيابة العامة بتهمة ادخال وحيازة اموال غير معروفة المصدر وسيتم التحقيق معه ولأن السلطة مسؤوليتها اثبات عدم مشروعية تلك الأموال، وليس من ضبطت بحوزته فإنها ستفشل في الوصول الى الحقيقة لصعوبة الاثبات.
كيف للسلطة ان تثبت عدم مشروعية الاموال وهي مهربة من الخارج او تم ايداعها في البنك بحساب شخص دون معرفة المودع وسبب الايداع؟!
هذان السببان نقطة خلاف وزارة الداخلية والبنك المركزي والنيابة العامة ووزارة المالية.
بيان النيابة العامة يشير الى ان السلطة لم تستطع الوصول الى مصدر هذه الاموال والمفترض ان يكون عبء اثبات مشروعية تلك الاموال على المتلقي وليس على السلطة.
الاختلافات الاخرى رئيسية حيث اضيفت بعض الفقرات والجمل على المواد القانونية لتغيير جوهر القانون، وهي:
الفصل الأول وتعريف جريمة غسيل الأموال
جريمة غسيل الاموال من الجرائم المستقلة التي لا يشترط ان ترتبط بجريمة اخرى حتى تثبتها.
المشرعون والخبراء القانونيون الأجانب عندما اوجدوا تشريعات قانونية تجرم غسيل الاموال كان الهدف منها ضرب العوائد والمتحصلات المالية المكتسبة من كل انواع الجرائم حيث يصعب اثبات الاتهام الجنائي في الجريمة الاصلية على مرتكب الجريمة، اذن هي جريمة مستقلة لها عقوبات تختلف عن الجريمة الاصلية، واثبات الاتهام في القضايا الجنائية يصعب في كثير من الاحيان اما لابتعاد المجرم عن ارتكاب الجريمة بنفسه وتكليف اخرين، او لأخطاء إجرائية يقع فيها رجال الشرطة.
المشرع الكويتي ربط جريمة غسيل الاموال باثبات الجريمة الاخرى وهنا القصور في التشريع الذي عرضته النيابة العامة لان جريمة الايداع لم ترتبط بجريمة جنائية واضحه المعالم كالرشوة او التكسب غير المشروع، بل اموال اودعت في حسابات لاشخاص دون معرفة مصدرها وهي بحد ذاتها جريمة تعاقب عليها القوانين الدولية لأن شبهة غسيل الاموال موجودة سواء ارتبطت بجريمة جنائية او لم يثبت ارتباطها.
حماية البنك والمؤسسات المالية
نقطة اخيرة نستعرضها وهي متعلقة بحماية البنوك والمؤسسات المالية، فالمشرع الكويتي ألزم البنوك وجميع المؤسسات المصرفية بالابلاغ عن أي شبهات او ايداعات مالية، والتزام البنوك بتلك الاجراءات يبعدها عن المساءلة القانونية في اخفاء عمليات غسيل الاموال ويجنب وضعها تحت المراقبة الدولية كما هو حاصل في كثير من البنوك عندما تعرضت للغرامات والجزاءات المالية نتيجة مخالفتها او تراخيها في مراقبة عمليات غسيل الاموال وتأثر سمعتها الاقتصادية محليا ودوليا.
القانون لم يحم المؤسسات المالية والبنوك من التعرض للمساءلة ضد الاطراف المتضررة من تلك البلاغات، وإن قصور التشريعات ونقص المعلومات والتحريات ستتحملهما البنوك عندما تتقدم الاطراف المتضررة بشكاوى مدنية ضدها.
[email protected]