اقترح علينا شخص عزيز مناقشة موضوع مهم وحيوي نعاني منه في جميع مؤسساتنا سواء الخاصة أو الحكومية.. فقمنا بتخصيص زاويتنا لهذا الاسبوع لتسليط الضوء على وظيفة متلونة، ويصعب علينا تحديدها في مسمى معين.
في قديم الزمان كان للسلاطين والملوك «بواب» يقف عند مدخل القاعة التي يجلس بها السلاطين والملوك ليعلن عن وصول أي شخص أو وفد يريد مقابلة السلطان أو الملك.. وكان يسمى «الحاجب»!
مع مرور الزمن تطورت وظيفة «الحاجب» حتى وصل إلى يومنا هذا لاتخاذ قرار من يستطيع أو لا يستطيع مقابلة السلطان أو الملك.. بل اختلفت مسميات الحاجب حتى أصبحت أكثر تعقيدا وازدادت صعوبة معرفة الحاجب من «المسؤول»، لأن وظيفة الحاجب تطورت مع تطور «التكنولوجيا» لتنتقل من القصور إلى الشركات الخاصة مرورا بمؤسسات الدولة!
أتعبت من جاء بعدك أيها الحاجب!
صفات الحاجب العصري كثيرة، ولعل أهمها هي قدرته على «التلون» والتكيف مع المعطيات والمتغيرات. من أشهر صفاته انه «حبوب» لدى مجموعة معينة، و«منبوذ» لدرجة الكره لدى مجموعة أخرى. يعد الحاجب من أسباب الفساد المستشري في الشركات المتعثرة ومؤسسات الدولة المختلفة، وبقاؤه مرتبط ببقاء «سلطانه» أي المسؤول! ولكن ومن سخرية القدر ان للحاجب قدرة مهولة على التنصل من المسؤولية وإلقاء اللوم كاملا على المسؤول في حال عثوره على «سلطان» آخر!
كائن غريب!
ربما يراه كذلك جميع أصحاب الضمائر الحية وليس «المستترة منها» فلا يمكن لعديم الضمير ان يعي ويقر بانعدام ضميره والسير خلف مصالحه، لأنه وبمجرد إقراره ستحول صحوة الضمير دون استمراريته في أداء مهام الحاجب!
لنسم الأشياء بأسمائها.. في «بعض» الشركات الخاصة نجد ان لدى العضو المنتدب أو الرئيس التنفيذي موظفا معينا تحت مسمى «مدير مكتب» أو «مستشار» أو أي مسمى من شأنه تضليل الناس.. يقوم بمهام الحاجب، ولكن ليس الحاجب «التقليدي» الذي يقف أمام الباب ويعلن عن دخول شخص او وفد! بل حاجب «عصري» يقوم بتقطيع «الكيكة» لكل الأطراف المستفيدة وترتيب الصفقات والمناقصات.. ففي بعض الأحيان يتم هذا الشيء بمعية «المسؤول» وفي أحيان أخرى يكون المسؤول آخر من يعلم و«يا غافلين لكم الله»!
صفقات كثيرة في الشركات الخاصة تمر أو تتوقف في مكتب الحاجب.. فتتم العمليات وتتوزع النسب ويقوم «المسؤول» بتوقيعها وختمها وتحمل مسؤوليتها، لأنه عادة ما يكون الحاجب «العصري» محسوبا على «المسؤول».. فقد جلبه المسؤول لكي يقوم بعمل «فلتر» للناس التي تقابله ويعقد الصفقات معها. قد يعتبر البعض ان وجود الحاجب ضرورة، في حين يعتبره البعض الآخر جزءا من «پرستيج» المسؤول.. ولا عزاء لمن يتعامل مع تلك الجهة التي يكون فيها الحاجب «الكل في الكل»!
مرورا بمؤسسات الدولة.. ففي كل وزارة سنجد حُجّابا من النوع الفاخر.. نوع لتخليص المعاملات المخالفة، ونوع لترسية المناقصات، ونوع لتخليص المعاملات العادية وغير المخالفة! شر البلية ما يضحك!.. فقد تطور بنا الحال لتصبح معرفة «الحاجب» أهم من معرفة المسؤول! فغالبا ما تكون خيوط اللعبة بيد الحاجب!
من الطرائف انه في بعض المؤسسات يقوم الحاجب بتعيين حاجب سري من العمالة الآسيوية كنوع من التضليل فيقوم بتخليص المعاملة مقابل «خمسة دنانير» يظن المراجع انها للفقير المسكين ولكن يتقاسمها الحاجب مع الآسيوي «الفقير المسكين»!
ويبقى السؤال.. إلى متى سيستمر الحاجب في «فلترة» المراجعين والعملاء لمسؤوله؟
وهل نقوم بشراء رضا الحاجب؟ أم المسؤول؟
وأين الحق في كل هذه التناقضات؟
في النهاية..
دعوة من آيديليتي لاقتلاع الحاجب
البريد الإلكتروني:
[email protected]
الموقع : www.idealiti.com
follow us on Twitter:@idealiti
* زاوية أسبوعية هادفة تقدمها كل اثنين شركة آيديليتي للاستشارات في إطار تشجيعها على إنشاء وتطوير واحتضان ورعاية المشاريع التجارية المجدية واقتناص الفرص أو معالجة القصور في الأسواق.
واقرأ ايضاً:
مقالة سابقة بعنوان: أسس التعاقد
مقالة سابقة بعنوان: العقد.. شريعة المتعاقدين
مقالة سابقة بعنوان: روح الفريق
مقالة سابقة بعنوان: حرب الكفاءات!
مقالة سابقة بعنوان: الميزانية التقديرية
مقالة سابقة بعنوان: «التنميط» الإداري
مقالة سابقة بعنوان: التحفيز
مقالة سابقة بعنوان: حكاية محمد المجتهد!
مقالة سابقة بعنوان: المنطق يقول..
مقالة سابقة بعنوان: فن التسويق
مقالة سابقة بعنوان: 4 ـ 3 ـ 3 !