Note: English translation is not 100% accurate
لن يتمتع أطفالنا بحياة طويلة
20 أغسطس 2013
المصدر : الأنباء

نديم عبدالعزيز الدعيج
لقد تدربت بوصفي طبيب طوارئ على استيعاب الحالات الطارئة وعلاجها على الفور. يواجه المجتمع الكويتي حالة طوارئ هائلة القدر، تعرضه للخطر وتهدد بقاءه. لقد تفاقم معدل الامراض المزمنة وما يصاحبها من عوامل خطرة واصابات على مدار العقدين الماضيين فقط، وحطم الآن الارقام القياسية على المستوى العالمي، وهناك حاجة الى وضع اصلاح نظامي متعمق يفوق حدود اي عرض مقدم بالفعل وذلك لتفعيله بسرعة لمنع التراجع التنموي والزوال المحتمل للمجتمع الكويتي، وانا اعني كل كلمة اقولها.
حقا، ألم يلاحظ الكثيرون منكم الاخفاقات المتنامية المتوالية في نظامنا الصحي والتعليمي؟! هاتان الركيزتان الحيويتان لأي مجتمع، وما اكثر الادلة الدامغة على ذلك، فبإمكاننا بمنتهى البساطة النظر الى معدل الاخفاق في المدارس العامة، وكم الانفاق على العلاج الطبي في الخارج، وانتشار مرض السكري وامراض القلب والسمنة والاصابات الناجمة عن حوادث الطرق، لقد غدت نسبة انتشار زيادة الوزن والسمنة بين اطفالنا ومراهقينا هي الاعلى في العالم، اننا نعلم انه يتعين علينا البدء في تحويل مسار الجهود في اقرب وقت ممكن بهدف منع السلوكيات غير الصحية وتحويلها الى النقيض، فمايزال اطفالنا يتأثرون بالعواقب النفسية والاجتماعية لهذه الاعتلالات الصحية وكذلك لما يتعرضون اليه من جهود لتعديل سلوكياتهم. يمتد نطاق نظامنا الصحي بالفعل الى ما هو ابعد من المستشفيات والعيادات، ويتأثر تأثرا عميقا بالتعليم والثقافة والقيم، والاهم من ذلك تأثره بفاعلية سيادة القانون.
لقد اوضح العلماء في جامعة اوكسفورد مؤخرا ان السمنة وحدها تقلل من العمر المتوقع للانسان بمقدار ثلاث سنوات على الاقل، وقد تصل الى عشر سنوات في الحالات الحادة، مثلها في ذلك مثل التدخين مدى الحياة. لكن الخطر يتعاظم بما نتعرض اليه من تلوث الهواء، هذا العامل الرئيسي الخطير المؤدي الى امراض القلب والرئتين، والخمول البدني، وانتشار التدخين على نطاق واسع، فقد اوردت الاحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية عام 2011 ان الكويت تأتي في المرتبة العاشرة على مستوى العالم من حيث تركيز المواد الجسيمية، التي تعد دليلا على تلوث الهواء. لقد صارت حالة الطوارئ واضحة ولا يمكن انكارها، حيث تجاوز معدل الاصابة بمرض السكري 20%، كما اقترب معدل زيادة الوزن من 75% في جميع الفئات العمرية، وبذلك صنفت الكويت في السابق في المرتبة الثالثة عالميا والمرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، تلك الدولة التي نسعى دائما لمنافستها في مستوى اجمالي وزن السكان. يعد النظام الصحي في الكويت مفتت للغاية ـ تماما كالولايات المتحدة ـ ذلك الجهاز العاجز عن تقديم الرعاية الصحية الاولية، فضلا عن عدم القدرة على تطبيق برامج للوقاية او الفحص على مستوى الدولة، والتي تعد اكثر الطرق الفعالة لمعالجة مشكلاتنا، الامر الذي سيؤدي حتما الى زيادة من يشعرون بمقدمات مرض السكري بنسبة 20%، مما يؤدي الى زيادة انتشار المرض واضافة عبء الى الأعباء الفعلية التي لا يمكن تحملها، والآن لا يقع هذا العبء على كاهل خدمات الرعاية الصحية والتي تفتقر بالفعل الى الموارد الكافية فحسب، بل يتضمن تقصيرا ماليا ينشأ عن علاج هذه الأمراض ومضاعفاتها والخسارة الإنتاجية الهائلة المتوقعة في القطاعين العام والخاص، وحيث ان البنية التحتية والاحتياجات في البلاد قد ادت الى المزيد من الاعتماد على القوى العاملة الاجنبية، تواجه الدولة الآن تحديا يصل الى حد لا يطاق فيما يتعلق برأس المال البشري على كافة المستويات الاجتماعية والعاملة، ودون الحاجة الى النظر الى ما بعد النظام الصحي في قطاعات اخرى متأزمة ـ يدرك المرء العواقب الوخيمة لتاريخنا من «سياسة الإقصاء» فإذا استمر مجتمعنا حقا في اعطاء اجور ثابتة لا يعتريها اي تغيير للعمالة الاجنبية، فسيظل الافتقار الى الحافز والولاء والافتخار بالعمل عاملا على تنشئة بيئة من الممارسات دون المعيارية والرعاية رديئة الجودة، فكيف يحصل رئيسي في العمل الذي يقوم بالكثير من الاعمال الادارية ولديه سنوات خبرة تفوق خبرتي على راتب اقل من راتبي؟ وما الحافز الذي يحصل عليه ممارس متوسط لتحسين عمله في الوقت الذي يحصل فيه المعينون الجدد على دخل أعلى من دخله؟ لن تعمل الحلول التي تتضمن زيادة الرواتب للعمالة الكويتية، مع التركيز فقط على «الكادر» او بناء ابراج طبية جديدة على حل اوجه العجز الرئيسية، اذ تتطلب اوجه العجز هذه منهجية لدعم النظام الصحي اضافة الى التركيز على الترويج لجدول اعمال الرعاية الرئيسية والوقائية، ونظرا للارتفاع المذهل في النفقات العامة والاعتماد الشديد على ايرادات النفط، فقد لا تكون الزيادات البسيطة في الرواتب هي الحل الأمثل لاسيما ونحن نتوقع قلة الاقبال على نفط الخليج العربي في السنوات المقبلة، وعلى الأحرى قد تمثل حلول تحسين الكفاءة وابتكار حوافز وإعادة توزيع الموازنات خيارات افضل وأكثر استدامة، جدير بالذكر ان الحلول المقترحة آنفا ـ غير الصادرة عن خبراء الصحة العامة ـ لن تؤثر على السكان، لكنها تتعامل فقط مع المرضى منهم على نحو غير ملائم، إضافة الى انها تتسبب في زيادة التكلفة، ، اود ان اقول لمعالي وزير الصحة ووكيل الوزارة انه بالرغم من البيئة السياسية التي تعيشها البلاد، الا ان هناك حاجة الى تحديد استراتيجية لنظام صحي طويل الاجل يتبعها المسؤولون من بعدهم، ومن ثم لماذا لا تكونون انتم مفعلي هذه الاستراتيجية عن طريق التوجيه المناسب الحيادي القائم على الأدلة الواعية؟ يجب علينا ان نتغلب على الرغبة الدائمة في الحصول على إصلاحات سريعة، وهو ما يطلق عليه حلول ضمادات والتخلص ايضا من الاعتقاد بأن إنفاق الاموال في مشكلة ما سيؤدي الى حلها، ونظرا لمستوى التطوير في دولة الكويت والحاجة الى بناء القدرات المحلية، فيجب ان اركز بشدة على اهمية تبني استراتيجيات الاصلاح الاساسية السليمة، وتشجيع صانعي القرار على التغلب على تبني التدخلات الحديثة وغير الواقعية التي لم يثبت بالفعل نفعها على الصعيد الاجتماعي، وبالفعل، يجب ان ازيل المفهوم الذي تم تبنيه على نطاق واسع وهو ان التكنولوجيا وما لقيته من تشجيع قوي عن طريق بعض العروض في الماضي هي العلاج العالمي لإخفاقات قطاع الصحة، ان عملية تطوير هذه الأنظمة قد تؤدي الى تقليل معظم الأخطاء الطبية لكنها لن تتخلص من مشكلات الجودة او القضايا الناجمة عن سوء الادارة ـ حتى ولو تم تصورها وتنفيذها على النحو السليم. تتميز عملية تنفيذ مثل هذه الأنظمة بتعقدها الشديد وتكلفتها العالية، ولم تثمر تجربتنا الاخيرة تحقيق النتائج المرجوة حتى مع مشاركة الجامعات الاجنبية الرائدة في هذا المجال، إذا لم تطبق هذه التوصيات فلن يكون بإمكان اطفالنا الذين نرسم لهم طريقهم في الوقت الحالي ـ احداث تأثير إيجابي نحو التطوير وذلك بسبب العوامل التي كان من الممكن تجنبها، اذ يجب علينا الحفاظ على صحتهم ووقايتهم من الامراض، وتوفير بيئة آمنة لهم وإتاحة امكانية حصولهم على هواء نظيف وطعام صحي وتوفير فرص تعليم جيدة لهم، فبمجرد استيفاء كل هذه المتطلبات فنحن نأمل في بناء القدرات الثقافية والفنية اللازمة للحصول على مستوى اعلى من التنمية البشرية والاجتماعية.
وفي النهاية، اود ان اسأل صناع القرار: هل تحدثون نموذجا للتحول يحتاجه هذا البلد بقدر كبير ام تفضلون قبول ارث غني ملطخ بالاخفاقات التي كانت قابلة للاجتناب والتي تجاهلها صناع القرار لأمد طويل؟twitter.com/sahainstitute