Note: English translation is not 100% accurate
رثاء
جورج جرداق: في الليلة الظلماء يفتقد البدر
9 نوفمبر 2014
المصدر : الأنباء
بقلم : عباس خامه يار
آلمنا خبر وفاة المفكر والأديب والشاعر المخضرم المرحوم جورج جرداق وهو الذي نهل من فيض عطائه الآلاف من أبناء الشعب الإيراني وعموم المسلمين والمسيحيين في أرجاء المعمورة، حيث كان رمزا لتعايش الاديان الابراهيمية من خلال مؤلفاته وقصائده وأبرزها موسوعته الفريدة ذات المجلدات الخمسة تحت عنوان «الامام علي صوت العدالة الإنسانية» والذي طبع منه الى الآن حوالي مليوني نسخة. لقد استحق بجدارة لقب «عاشق الامام»، وترك بصمات ساطعة وأياد بيضاء يشهد بها القاصي والداني، ترنم بعشق علي لأعلى دين او مذهب بل على قاعدة «ان لم يكن لكم دين فكونوا احرارا في دنياكم»، فكان يرى الامام ركنا من اركان الانسانية جمعاء في كل زمان ومكان.
سيبقى اسمه منيرا في سماء الأدب والفكر يمنحنا فرصة التأمل في حوار الأديان ضمن إبداع يتسم بشفافية الروح ونورانية الكلمة.
في منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي وفي إطار مهمتي الثقافية في لبنان كانت لي زيارات متعددة وحوارات طويلة معه، حيث استضافني في بيته الذي عاش فيه وحيدا لأ هم له سوى مكتبته التي تعج بالكتب.
عشرات الكتب التي لم تجد لها مكانا على أرفف مكتبته فملأت زوايا غرفه بحيث تجد من الصعوبة الحصول على مكان تجلس فيه للحديث مع هذا العبقري الفذ.
في تلك السنوات دعوته للسفر إلى إيران لزيارة ولقاء محبيه وعشاقه فوافق على مضض لأنه يكره ركوب الطائرات ويخافها.
آثر السفر إلى إيران برا عبر حلب وتركيا ليصل إلى تبريز ثم طهران وقم، اجتاز الآف الكيلومترات ليفاجأ بالمئات ممن قرؤوا كتبه وقصائده وهناك التقى بالعديد من العلماء والأدباء وعاد من حيث أتى محملا بذكريات لم ينسها طوال حياته.
المشكلة الوحيدة التي واجهها في سفرته هو امتناعه عن تناول الكباب الإيراني الشهير فقد كان نباتيا يرفض اكل اللحوم ويصر على براءة الحيوانات التي نذبحها ونسفك دمها لنشبع بطوننا منها.
وفي العام 2000 وبدعوة من مؤسسة البابطين للابداع الشعري شارك في مهرجان سعدي الشيرازي، وكان لي شرف مرافقته في طهران وشيراز، وكان يبث شكواه وقلقه من مصير مكتبته وكتبه حيث رافقه هذا الهاجس حتى الأيام الأخيرة من عمره كما سمعت.
وقبل أيام بادرت مؤسسة البابطين في الكويت بتكريمه وأهدته جائزة الإبداع الفكري السنوية بقيمة 50 ألف دولار لتأليفه موسوعة عن الإمام علي عليه السلام لكن المنية عاجلته ومنعه الأطباء من السفر حتى فارق الحياة يوم أمس.
سيبقى جورج جرداق محطة مشرقة في تاريخ حوار الأديان والتعايش السلمي، وحلقة زاخرة بالإبداع عاشها بقلب نابض وهمة لا تعرف الفتور ملهمة من مولاه ومعشوقه الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، نفتقده في هذا الظلام الذي يسود العديد من بلداننا الإسلامية، في الليلة الظلماء يفتقد البدر.