Note: English translation is not 100% accurate
وفاة الروائي المصري جمال الغيطاني عن 70 عاما بعد صراع مع المرض
19 أكتوبر 2015
المصدر : الأنباء - فرانس 24

توفي الروائي المصري جمال الغيطاني صباح الأحد عن عمر ناهز السبعين في مستشفي الجلاء العسكري في القاهرة، بعد صراع مع المرض إثر إصابته بوعكة صحية أدخلته غيبوبة لأكثر من ثلاثة أشهر، حسبما أعلنت زوجته الصحافية ماجدة الجندي لوسائل إعلام محلية.جمال الغيطاني من أبرز الروائيين الذين التفوا حول الروائي الراحل نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1988، وخصوصا في مجالسه الأسبوعية الشهيرة.وكان الغيطاني صاحب رواية "الزيني بركات"، التي تعتبر الأهم بين أعماله الروائية، ولد في بلدة جهينة في محافظة سوهاج عام 1945 وانتقل وعائلته إلى القاهرة حيث دخل معهدا لصناعة السجاد الشرقي، الأمر الذي أثر في رؤيته الجمالية للفن الإسلامي.وأبرز مؤلفاته "حكايات المؤسسة" و"متون الأهرام" و"سفر البنيان" و"أوراق شاب عاش ألف عام" و"خلسات الكرى" و"المجالس المحفوظية" وغيرها.وحصل الغيطاني خلال مشواره الأدبي على عدة جوائز أدبية أهمها "النيل"، أرفع الجوائز التي تمنحها مصر، وجائزة الشيخ زايد في الإمارات العربية المتحدة.وتعرض إبان ولاية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للاعتقال بضعة أشهر بسبب نشاطاته السياسية.عمل في الصحافة ليصبح مراسلا حربيا في صحيفة "الأخبار" منذ عام 1969 ثم تولى القسم الأدبي في الصحيفة.وفي عام 1993 تولى رئاسة تحرير أسبوعية "أخبار الأدب" التابعة لمؤسسة أخبار اليوم منذ تأسيسها حتى بلوغه سن التقاعد.وعرف الغيطاني بتصريحاته المعارضة لبعض رموز الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك مثل وزير الثقافة فاروق حسني وأمين عام "الحزب الوطني" أحمد عز، كما هاجم الإخوان المسلمين بعد تولي محمد مرسي رئاسة مصر. وأصبح مؤيدا قويا للرئيس عبد الفتاح السيسي عندما أطاح بمحمد مرسي في يوليو 2013.
وداعاً صاحب التجليات جمال الغيطاني.. عاشق الأرض والتاريخ و«حكايات الغريب»أحمد عفيفي ـ وكالات
ربما لولا قصته المتفردة قيمة ومعنى «حكايات الغريب» لما كان عرفه إلا قلة من الناس، أدباء وكتابا ومثقفين، ذلك رغم أنه أديب من طراز رفيع، غير أنه جاء في زمن الانفتاح الاقتصادي الساداتي «نسبة إلى أنور السادات» بعد زمن الستينيات «أيام عبد الناصر»، هذه الفترة المزدهرة في تاريخ مصر في الأدب والسينما والمسرح والغناء والطرب الأصيل، أقول لم يكن الغيطاني معروفا إلا للقريبين منه ووسط «وسطه» الذي نشأ فيه وبينه، لولا «حكايات الغريب» تلك الرواية الرائعة التي كتبها بإبداع يحسد عليه، مترجما فترة عمله كمراسل عسكري على الجبهة في سيناء بعد نكسة 67 وأيام حرب الاستنزاف، والتقطتها المخرجة المبدعة أنعام محمد علي لتجسد أحداثها على الشاشة في فيلم، ربما هو الأروع بين كل ما تم تقديمه عن الحرب سواء أيام النكسة أو بعد الانتصار.
«حكايات الغريب»، هي حكاية جمال الغيطاني، الجندي المجهول دائما الذي يضحي ويموت مستشهدا في ارض القتال ولا يذكره احد، وهو الجندي المجهول ايضا في أي مجال عملي آخر، هو الفاعل والمؤثر، لكن يجد رمضان صبحي لاعب الأهلي بوقفته الصبيانية على الكرة، وكهربا لاعب الزمالك بمراهقته ـ ولا أقول بمهارته ـ في اللعب أشهر وأكثر ثراء منه.
وجمال الغيطاني لأنه قيمة، يعرف قدر وقيمة المبدعين، فقد كان عاشقا لكتابات نجيب محفوظ، ويعتبر حضوره في العالم اكثر من حضوره في مصر، يقصد بالقطع أن عملقة نجيب محفوظ لم يدركها المصريون مثلما ادركتها شعوب العالم المتحضر، لذا كانت «نوبل» هي الترجمة الحقيقية لقيمة وقامة أديب في حجم صاحب الحرافيش والثلاثية وأولاد حارتنا.
وفي المقابل كان نجيب محفوظ يرى في جمال الغيطاني مع رفيق دربه وجيله يوسف القعيد، امتدادا له ولأدبه وفكره، يرى أن الغيطاني ومن بنفس قدره وتفرده ظلمتهم الظروف السياسية والاجتماعية في البلاد، لذلك لم ينالوا الرفعة والمكانة الواجبة التي يستحقونها.
ولأنه يدرك أن الماضي هو أساس الحاضر والمستقبل والمحفز الطبيعي لما هو آت، أدرك قيمة التاريخ والآثار القديمة، لذا كتب ثلاثين مقالا مطولا تحت عنوان «تجليات مصرية» في جريدة المصري اليوم، بينه وبين المعلم الأثري علاقة حميمية غريبة، حين تراه مثلا في ساحة قلعة محمد علي يحدثنا عنها وعن ناسها، كأنه يتحدث عن معشوقته ويهيم وصفا في محاسنها المبهجة، يمشي وسط الآثار القديمة وكأن قدماه تأبيان أن تغادرا مكانا تحبه وتعشقه وتدرك قيمته الغائبة عن عقول الكثيرين، لذلك وصفه الكاتب الأديب محمد شعير بأنه جزء من ذاكرة مصر الحقيقة، فقد كان على علم بجميع شوارع القاهرة وتاريخ كل جدار بمنطقة الحسين والجمالية، حيث كان مهموما بشكل أساسي بتعريف الناس بأهمية هذه الأماكن.
وربما اهتمامه الجلي بالتاريخ والآثار وكتاباته الوفيرة عنها، جعل إنتاجه الأدبي القصصي محدودا، قليلة هي أعماله التي رأيناها على الشاشتين الصغيرة والكبيرة، لكنها أعمال ذات قيمة عالية، تصرخ فيها الفكرة، مصممة على اقتحام العقل المتلقي عسى أن تكون محفزة له على التغيير، فمن أهم رواياته التي تم تقديمها في مسلسل تلفزيوني كبير وتترجم هذا المعنى «الزيني بركات» الذي سلط الضوء من خلاله على حقبة سقوط دولة المماليك وقيام الدولة العثمانية، وكيف أن لكل عصر جواسيسه الذين يعملون لصالح الحاكم، يجملون له الأشياء القبيحة، فيراها مبهجة رغم أن رائحتها الكريهة تزكم انفه قبل غيره، لكنه يحتاج الى مثل هؤلاء، كشف في الزيني بركات «عن جوقة الطبالين والزمارين في الحاشية السلطانية، في كل زمان ومكان.
مهما كتبت، وكتب غيري، فلن نعطي هذا الأديب الكبير حقه، وشأنه شأن كل الكبار في بلدان العالم الثالث، مهضوم حقه في بلده، معروف قيمته خارج الحدود، لذا فلا غرابة أن نجد الكثير من أعمال الراحل الكبير جمال الغيطاني مترجمة إلى اللغتين الألمانية والفرنسية، مثل: الزيني بركات، وقائع حارة الزعفراني ورواية رسالة البصائر والمصائر، وشطح المدينة، ورواية التجليات بأجزائها الثلاثة في مجلد واحد عام.
سألته مرة المذيعة منى الشاذلي: ما سر هذا العشق الغريب لتاريخ مصر القديم؟ فكان رده: لو أدرك الشعب المصري تاريخه القديم الممتد الذي نعرفه بحضارة الـ 7000 سنة، ما انحنت رأسه أبدا لسلطان جائر، ولا رضي أبدا بأن يعيش ذليلا، وفي يده وجيناته كل مفاتيح العزة والشموخ.رحل جمال الغيطاني «الغريب» الذي عاش في زمن الغرائب والعجائب.