Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
بث جلسات «البرلمان» في ميزان التقييم
16 يناير 2016
المصدر : الأنباء
محمد البدري
أثار قرار «المنصة» بمنع البث المباشر لجلسات مجلس النواب المصري الجديد ردود أفعال متباينة في الأوساط النيابية والإعلامية.
فقد وقع 100 نائب مذكرة للمطالبة بإعادة بث الجلسات مجددا، فيما وقع نواب آخرون طلبا مضادا يطالب باستمرار وقف البث ـ مؤقتا ـ لحين الانتهاء من النواحي الإجرائية داخل المجلس، وعلى هذا النحو أصبحت مسألة «بث الجلسات» قضية رأي عام في مصر، انقسمت بصددها الآراء ما بين مؤيد ومعارض ومتحفظ. ودون الخوض في مبررات وحيثيات هذه المواقف، تبدو مساحة مشتركة فيما بينها تتمثل في الاتفاق على أن علنية الجلسات وبثها المباشر ليسا غاية في حد ذاتهما، وإنما الهدف الرئيسي هو تحقيق شفافية العمل البرلماني، باعتباره إحدى وسائل مراقبة الشعب لأداء ممثليه تحت قبة البرلمان.
لكن تظل العبرة بمحصلة الإنجازات الملموسة التي يحققها نواب الشعب على أرض الواقع، سواء في شكل الرقابة على أداء الحكومة ومحاسبتها، أو عبر سن تشريعات ناجزة تمس القضايا الجوهرية في حياة الناس وترفع عن كاهلهم الأعباء، فلطالما سمع المصريون فيضا من الوعود على مدار سنوات بل وعقود، وكذلك شاهدوا جدالا محتدما من النواب أمام كاميرات وسائل الإعلام، ولكن من دون أن يلمسوا ـ في نهاية المطاف ـ الإنجازات على أرض الواقع.
ومن ثم، أصبح البرلمان ـ الذي من المفترض أن يكون بمنزلة الماسة في بنية النظم السياسية والديموقراطية المعاصرة - مجرد قطعة أثرية لـ «الديكور السياسي»، مفتقدا لفاعليته ولدوره التنموي والرقابي والتشريعي.
لم يأت قرار منع البث المباشر لجلسات مجلس النواب، لمجرد المنع في حد ذاته أو لتقليص شفافية الجلسات، لكنه جاء كرد فعل حازم على بعض الممارسات غير المنضبطة من قبل بعض النواب، بدءا من أداء اليمين الدستورية في الجلسة الافتتاحية وصولا إلى الجلسة الإجرائية المتعلقة بانتخاب رئيس المجلس ووكيليه وتشكيل اللجان النوعية، وهي ممارسات عكست حالة من «المراهقة السياسية» لدى البعض، ومثلت خروجا واضحا على تقاليد الممارسة النيابية السليمة، الأمر الذي خشي معه أن يتحول البرلمان المصري إلى ساحة للمبارزات والسجالات الشخصية، وأن يغدو ميدانا للاستعراض السياسي أمام كاميرات وسائل الإعلام، ومن ثم يبتعد عن أولويات المواطنين وهمومهم، ويغدو عقبة أكثر منه عونا في تحقيق التنمية المنشودة.
ولا شك أن مصر ـ المجتمع والدولةـ ليس لديها في اللحظة التاريخية الدقيقة الراهنة ترف مثل هذا الأمر، كما أنه ليس بإمكانها ـ مهما تحاملت على نفسهاـ تحمل تبعاتها المجتمعية والسياسية والاقتصادية المحتملة. ومما يعزز منع البث ـ ولو مؤقتا ـ ما يشير إليه بعض الخبراء وأعضاء سابقون في مجلسي الشعب والشورى، أن العمل بعيدا عن الكاميرات ـ كما هو الحال بالنسبة الى مناقشات اللجان البرلمانية ـ يعلم النواب سمة التواضع السياسي، حيث تكون المناقشات أكثر موضوعية وتوازنا بعيدا عن الـ «الشو الإعلامي».
وتشير خبرة السنوات الخمس الأخيرة في الحياة السياسية المصرية، إلى حدوث تغير في نمط الثقافة السياسية السائدة، حيث أصبح المواطن المصري أكثر وعيا وفهما للمعطيات السياسية، وتغيرت نظرته للنواب في البرلمان من مجرد « ممثلين» للناخبين تحت قبة البرلمان، إلى ضرورة أن يكون النواب رجالات دولة، لديهم الثقة بالنفس، ويتسمون بالرصانة السياسية، والإخلاص والإتقان في أداء كل مهامهم النيابية، تشريعا ورقابة. كما تولد لدى المصريين إدراكا مطردا بأن العبرة في تقييم الأداء النيابي هي بالمتحقق عمليا من إنجازات وما يلمسه المواطن من تطور وتقدم في حاضره، وما يستشعره من مؤشرات إيجابية إزاء مستقبل أفضل لأبنائه وأحفاده.
كذلك تظهر خبرة السنوات الأخيرة أن المصريين قد ملوا «التمثيل داخل البرلمان» وبات لديهم من الوعي ما يجعل لسان حالهم يقول: «لم نعد نقنع بطالبي الشهرة الإعلامية، ومستعرضي العضلات السياسية»!
وصفوة القول أنه بالنظر إلى عظم المهمة والمسؤولية الملقاة على عاتق نواب مجلس النواب الجديد إزاء تحقيق التنمية، والحفاظ على الثوابت الوطنية، والمرتكزات المجتمعية، وأخذا بعين الاعتبار طبيعة المعطيات المحلية والإقليمية والدولية في اللحظات الدقيقة الفارقة الراهنة، وذلك يتطلب من هؤلاء النواب أن يثبتوا عبر الممارسة البرلمانية الرصينة والمنتجة أنهم عند حسن ظن الشعب المصري بهم، وأن يبرهنوا ـ بالأعمال لا بالأقوال ـ للمصريين أن مؤسستهم التشريعية هي بحق مجلس للأمة وبيت للشعب.