Note: English translation is not 100% accurate
رأي
ازدراء الأديان.. في الكويت .. بقلم : م.يحيى حسين عبد الهادي
9 يوليو 2016
المصدر : الأنباء

جاء في قرار النائب العام بحفظ بلاغ ازدراء الأديان «يجب التفريق ما بين المناقشة العلمية المصحوبة بحسن النية، وخلافها المقترنة بالزراية والإهانة والطعن أو التحقير، ذلك أن الجدل - وإن كان محموما - في بعض المبادئ المقررة في دين أو مذهب معترف به لا يعد إهانة لهذا الدين أو المذهب، وأن لكل شخص الحق في إبداء آرائه في حرية تامة متى ما خلت عباراته، بمعانيها ومراميها، من ألفاظ السباب والإهانة والتجريح»..وقال النائب العام «ووفقا للدستور فإن حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، إذ إن لكل فرد في المجتمع حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول والكتابة أو غيرهما، دونما حاجة إلى تحديد موضوع ذلك الرأي أو قصره على أمر دون أمر، فالرأي والتفكير والإبداع صفات العقل المستنير تقود صاحبها إلى الحق والصواب، وحتى لا تستحيل حماية الأديان والمذاهب إلى ضغط أو كبت أو حجر لتضحى وسيلة قسرية تؤدي إلى التخلف والتقهقر والاستبداد»..وقالت النيابة إنه «لا يلزم أن يلقي فكر الباحث أو منهجه أو مسلكه إطراء الكافة أو حتى قبولهم لينأى عن التجريم، مع التنويه بأن دعوة بعض المختصين في السياسة لإعمال مبدأ فصل الدين عن الدولة بحسابه مفهوما سياسيا لا دينيا، أنكره البعض وأيده الآخر، وبما لا يعد مساسا بأصل الدين وثوابته»..وشددت النيابة على أنه «لا يجوز الافتراض أن كل وصف أو كلمة أو عبارة قصد بها ازدراء الدين الإسلامي الحنيف أو المساس بالقرآن الكريم، ولا يليق رصد كل عبارة وتقييمها منفصلة عن سياق الحديث بمقاييس صارمة عسيرة».
لم تكن هذه التحفة الفقهية القانونية الراقية جزءا من قرار رئيس نيابة مصر محمد نور بحفظ بلاغات التكفير التي لاحقت د. طه حسين منذ قرن من الزمان، وإنما خطتها منذ نحو اسبوعين يد واحد من ذريته النجيبة.. النائب العام الكويتي المستشار ضرار العسعوسي بعد عرض من المحامي العام الأول المستشار مبارك الرفاعي، استبعد على أساسها شبهتي ازدراء الأديان والمساس بالقرآن الكريم بحق د.شيخة الجاسم الأستاذة بجامعة الكويت.
كانت الدكتورة طرفا في مقابلة تلفزيونية عن منع الاختلاط في الجامعة، واشتد النقاش إلى أن قالت ردا على القائل بأن الشريعة أهم من الدستور:«إن للكويت دستورا مدنيا، والقرآن كتاب ديني للمسلمين، فلا تجوز المقارنة بينهما، وهما متساويان ولا يعلو أحدهما على الآخر، وان المواطن الذي يرى أن القرآن أهم من الدستور خطر على الدولة»، فاشتعلت وسائل الإعلام الإلكترونية باتهامات تدور كلها حول تكفيرها وانتهت ببلاغين يتهمانها بالإساءة للدين الإسلامي الحنيف وازدرائه والمساس بالقرآن الكريم.
وهنا، لم ينحز النائب العام إلى رأى الدكتورة أو ضده، ولكنه انحاز بوضوح ضد الخروج بخلافات الرأي إلى ساحات المحاكم، ليسد بذلك بابا من المزايدة والتكفير والتنقيب في مكنونات القلوب اكتوى بناره كل الأئمة المجتهدين في تاريخ المسلمين على يد حكام مستبدين أبعد ما يكونون عن شرع الإسلام.. عذب بهذه التهمة ابن حنبل في عهد المأمون.. وصلب بها الحلاج في عهد المقتدر.. ونفى بها ابن رشد في عهد أبو يوسف.. وأعدم بها محمود طه في عهد النميري.. شخصيا أرى أن الدكتورة اشتطت في التعبير عما تريد، ولم يعجبني انفعال أستاذة جامعية وسهولة استدراجها للتلفظ بعبارات لم تخطط لها وتثير التباسا لدى كثيرين.. لكن هذا شيء وازدراء الدين والمساس بالقرآن شيء مختلف تماما.
النائب العام الكويتي يسير على خطى محمد نور رئيس نيابة مصر في عشرينيات القرن الماضي الذي حفظ بلاغات تكفير طه حسين بعد كتابه عن الشعر الجاهلي.. كان محمد نور مثقفا متعمقا قرأ الكتاب موضع الشكوى ودققه وأوضح الأخطاء العلمية لطه حسين وفندها في كثير من المواضع، لكنه لشدة احترامه للرأي الآخر وعدم تزمته توصل نصا إلى أن: المؤلف طه حسين وإن كان قد أخطأ فيما كتب إلا أن الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شيء، وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدي شيء آخر.. لذا تحفظ الأوراق إداريا.. ياله من قاض نزيه ذي فكر واسع وقراءة متعمقة.. لم ينحز إلى رأيه الشخصي المختلف مع كتاب طه حسين وانحاز إلى حرية الرأي والاختلاف، فأغلق بابا للتكفير وتكبيل الفكر في مصر لمدة خمسين عاما تالية على الأقل.. وكسبت مصر والإسلام فيما بعد مفكرا عملاقا بحجم طه حسين ومكتبة إسلامية وأدبية رائعة ومجتمعا صحيا تعلم أن الحجة تقرع بالحجة لا بالحبس والغرامة.
إن من يزدري الدين الإسلامي حقا هم أولئك المتنطعون الذين يتصيدون كلمة أو عبارة لتكفير قائلها باسم الدين.. الدين الذي حرم تكفير كافر نطق بالشهادتين والسيف على رقبته، معليا شعار هلا شققت عن قلبه؟!.
ما أسعد المجتمع.. أي مجتمع.. الذي ينعم الله عليه بقضاة مثقفين يتجاوزون الفهم القشري لنصوص الدستور والدين إلى فهم متعمق يعي أصل المرامي.. مرامي الدستور ومرامي الدين معا.
لا يجيز العرف القضائي امتداح القاضي، وإلا لجاز ذمه.. لذلك لن أمتدح المستشار ضرار العسعوسي.. أنا فقط أغبط الكويت.. وهذا يجوز.
نقلا عن الزميلة «الأهرام»
كما نشر في 18 يونيو الماضي