- لم نعلم موعد الحرب.. وأعتز بلقب «الجوكر» فكنت أتنقل بسرعة وأحمل الخرائط العسكرية في غرفة العمليات
- لم نخرج من غرفة العمليات طوال شهرين.. وأحرجت شارون في مناظرتي معه بلندن وحصلت على ضعف الدرجات
القاهرة - خديجة حمودة
عندما يتحدث اللواء سمير فرج مدير إدارة الشؤون المعنوية الأسبق تشعر وكأنك أمام رجل يعرف قيمة الكلمات، يضع يده دائما على الملفات المهمة ويفضل السير في الطريق المستقيم.. هكذا كان حوارنا مع بطل كان شاهدا ومشاركا في أعظم حروب مصر.
ولأن حرب 1973 تعني الكثير من الفخر للمصريين.. إلا إنها أيضا وبالنسبة للعسكريين خاصة من شارك فيها تمثل «الحدث الأعظم والذكرى التي لا تنسى».. وبمناسبة ذكرى الـ 6 من أكتوبر كان لازما أن نستذكر بعض المواقف التي عاشها أبطالنا.. وهنا يقول اللواء سمير فرج انه ورغم مرو 43 عاما على حرب 73 إلا أن معاهد الدراسات الاستراتيجية والمعاهد العسكرية في العالم ما زالت تدرس نظريات هذه الحرب والأفكار والمفاهيم العسكرية التي قدمها الجيش المصري فيها.. وإلى تفاصل اللقاء:
من أين نتذكر بداية الأحداث لأكتوبر 1973؟
٭ في الواقع وعقب هزيمة 1967 بدأت القوات المسلحة عملية إعادة تنظيم وتسليح خاصة انه يمكن القول انه في هذه الأيام فقدت مصر 70% من أسلحتها ومعداتها، ويجب ان نشير هنا بالفضل الكبير للفريق محمد فوزي وزير الحربية آنذاك حيث بدأ الجسر الجوي من الاتحاد السوفييتي في نقل الأسلحة والمعدات لمصر وبدأت عملية بناء خط الدفاع الرئيسي غرب قناة السويس وقد استمرت هذه العملية عاما كاملا بعدها اطمأن الرئيس عبد الناصر على أن الدفاعات المصرية بتنظيمها وتسليحها قادرة على إدارة معركة دفاعية أمام الجيش الإسرائيلي.
أين كنت في هذه الفترة وكيف شاركت في حرب أكتوبر؟
٭ في الحقيقة انا كنت سعيد الحظ لأنني تخرجت قبل حرب أكتوبر بأيام من كلية القادة والأركان حيث حصلت على المركز الأول في ماجستير العلوم العسكرية على 160 ضابطا وكان عمري 33 عاما برتبة رائد، وقد حدث تغيير في موعد تخرجنا وإنهاء هذه الدورة قبل 3 أسابيع من موعدها ولم ندرك ان السبب وراء ذلك هو الإعداد للحرب.. ومن اجمل الذكريات ان المرحوم عمر سليمان كان زميلي في دراسة دورة كلية القادة والأركان ولأنني كنت الأول على الدفعة فقد كلفت بالعمل في غرفة العمليات الرئيسية للقوات المسلحة وهي المكان الذي أديرت منه الحرب.
وماذا كان دورك في حرب 73؟
٭ الحقيقة أنني شاهدت عمالقة القوات المسلحة في هذا المكان وكنت أصغرهم سنا ورتبة عسكرية ولذلك أطلقوا على اسم «الجوكر» أثناء الحرب لأنني كنت أتنقل بسرعة وأحمل الخرائط العسكرية وقد عرفني القادة بهذا الاسم لمهارتي ومنهم المشير الجمسي والمشير احمد اسماعيل والفريق سعد الدين الشاذلي، والغريب انني عندما بدأت العمل في غرفة العمليات الرئيسية وقبل أيام من الحرب كنا جميعا نعمل في صمت دون أن ندرك أننا نعد الخرائط للحرب ولم نعرف الحقيقة إلا عندما شاهدنا الرئيس الراحل انور السادات يدخل غرفة العمليات التي أديرت منها الحرب والتي انتقلنا إليها قبل الحرب بأسبوع واحد فقط في إطار مشروع تدريبي وعندما جاء يوم 6 أكتوبر استبدلت الخرائط بخرائط العملية «جرانيت اي حرب 6 أكتوبر».
ومتى أحس الرائد سمير فرج آنذاك بحقيقة الحرب؟
٭ بعد دقائق من دخول الرئيس الراحل انور السادات لغرفة العمليات الرئيسية رأينا على الشاشات الطائرات تنطلق وتعبر والرادارات تعمل فكانت الفرحة الغامرة وأدركنا أن الحرب بدأت وتوالت الأخبار السعيدة ونحن مستغرقون في العمل فكان أولها بعد 5 دقائق فقط عندما اصدر قائد القوات الجوية الإسرائيلية أمرا للطيارين الإسرائيليين بعدم الاقتراب من قناة السويس مسافة 15 كيلومترا وهي عمق حائط الصواريخ، كما كان الخبر الثاني هو سقوط مدينة المقنطرة في السادسة مساء مع آخر ضوء، اما الخبر الثالث فجاء قبل نهاية اليوم وهو نزول الكباري لقناة السويس وهو ما يعني أن الدبابات ستصل الضفة.
ومتى خرجتم من هذه الغرفة؟
٭ لم نخرج منها طوال شهرين حتى بدأت المفاوضات وكانت العمليات على فترتين كل منها 12 ساعة لتحصل أطقم الضباط على الراحة الكافية، ومن الزملاء الذين عملت معهم ولا انساهم العميد مهندس أحمد نبيه الذي قام بخطة الخداع الاستراتيجي وعقيد صلاح فهمي الذي اختار توقيت الهجوم يوم 6 أكتوبر الساعة 2 ظهرا وهو يوم عيد الغفران واللواء طه المجذوب والذي كان يشغل منصب مدير فرع التخطيط، فكل هؤلاء وغيرهم كثيرين لعبوا أدوارا مهمة في التخطيط لحرب أكتوبر.
وكيف استفاد العسكريون حول العالم من تلك الحرب العظيمة؟
٭ حرب أكتوبر غيرت المفاهيم العسكرية ومفاهيم التسليح على مستوى العالم فهي أول حرب تقليدية حديثة بعد الحرب العالمية الثانية حيث استخدم الجيشان المصري والإسرائيلي أحدث الأسلحة، ومن ضمن الدروس المستفادة من حرب أكتوبر وحرب الاستنزاف هو الدرس الذي علمته القوات البحرية المصرية للعالم يوم اغراق المدمرة ايلات، حيث قرر العالم عدم صناعة البوارج وحاملات الطائرات الكبيرة واتجهوا لتصنيع القطع البحرية صغيرة الحجم قوية النيران (الفرقاطة)، ودرس آخر علمته قواتنا المسلحة للعالم وهو ان قوات المشاة يمكن ان تبقى وحيدة أمام المدرعات لمدة تصل لـ 8 ساعات وكانت قبل حرب أكتوبر لا تصمد اكثر من 4 ساعات إلا اننا وضعنا أسلحة مضادة للدبابات مما ساعد على مضاعفة الفترة الزمنية، ومن اهم الدروس المستفادة من حرب أكتوبر أيضا هو تغيير الحصار البحري بعد أن كان لا بد أن يتم عن قرب حيث حولناه للحصار عن بعد حتى لا تكون القوات في مدى الطيران ويكفي انه وأثناء العمليات الحربية استمر ميناء إيلات مغلقا لمدة 6 أسابيع.
وماذا عن المناظرة التاريخية لك أمام شارون عن حرب أكتوبر في لندن؟
٭ أثناء دراستي في كلية كامبرلي عام 1975 كان هناك برنامج تلفزيوني يذاع في قناة «بي. بي. سي» يسمى بانوراما وقد طلب مقدمه استضافتي للحديث عن حرب أكتوبر، وبعد أن وافقت وطلبت الأسئلة وأخذت الإذن من مصر فوجئت بأنها مناظرة مع شارون الذي لعب دورا في حرب أكتوبر مع الجانب الإسرائيلي دورا بارزا وكان التحكيم لهذه المناظرة من قبل معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن وحصلت يومها على ضعف درجات شارون لأن إنجازات الجيش المصري في الحرب والتي تحدثت عنها وصفت بأنها تمت وفق خطة متزنة ودقيقة وحققت الهدف منها، أما شارون الذي تحدث عن عملية الغزالة وهي الثغرة التي تمت في ظهر الجيش المصري، فقد وصفت بأنها لم تكن مؤمنة كما أن حساباتها كانت غير دقيقة ولذلك فشلت، وقال المحكمون ان مصر استطاعت تحريك الموقف السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط بعملية عسكرية محدودة شرق قناة السويس.