غالبا ما تستقر في الذاكرة صور لا يطويها النسيان فتترسخ فيها وتشعر بالحنين من وقت لآخر لتسترجع كيفية ولادة تلك اللحظات.
هي رحلتي مع ميازاكي، ذلك المخرج الياباني، الفذ الذي صاغ أحلامنا صغارا وأعدنا اكتشافها مراراً، ولم نزل نكتشف الكثير من سحر عالمه وغرائبه.
لست هنا لأكتب عن أعماله وتاريخه، ولا لأفند أعماله أو أنقد بعضا منها، فهذا يمكن ان تجدوه عبر محرك «غوغل»، ميازاكي أشهر من ان يعرف.
كبرت ولكن الطفل الصغير في داخلي ما زال يربط بين ما شاهده طفلا وما يعيشه واقعاً لاكتشف رويداً رويداً ان ما شاهدته لم يكن فناً للأطفال فحسب، بل كان ذروة روعة السينما وأبرز تجلياتها، درست وتعمقت في السينما، ورغم تقدمي في العمر إلا ان الطفل في داخلي ظل يسأل عن ميازاكي، لا أدري كُنه المشاعر التي تنتابني لدى مشاهدتي أحد أفلامه، لكن ما أعرفه انها مشاعر بهجة وسرور، مشاعر ترسم بسمة على وجهي عندما أعرف انني ذاهب لأشاهده، ليست الابتسامة الظاهرة على الوجه فقط، ولكنها الابتسامة التي تغمرني من الداخل.
جسّد ميازاكي كل شيء ممكن ان تصادفه في الحياة «الطفولة، الصعوبات، الأحلام، الطموح، المراهقة، الأهل، الحب، الحرب والسلم»، ولطالما حلمت ان اكون شخصية من الشخصيات التي ألفها ميازاكي، أو حتى أن أقع في غرام فتاة من فتيات ميازاكي.
شخصياته دائما ما كانت تواجه مصاعب الحياة كما يواجهها أي إنسان، ولهذا كان قريبا إلى القلب وقريبا إلى الحياة التي نعيشها، حتى عندما يأخذنا ميازاكي إلى عالمه الخيالي، نجد في ذلك العالم الخيالي الشخصيات تواجه الصعوبات التي نواجهها في حياتنا التي نعيشها.
كثيرة هي الأفكار التي في داخلي الآن، أفكار بإمكاني ان أجسدها كتابا تافها أو قصة عبثية، ولكن ادخلوا معي لعالم ميازاكي، فالكثير منكم شاهد أفلامه، وتأثر بها، وكيف لا نتأثر بفتاة صغيرة تحارب من أجل أهلها في عالم الأرواح، او لرجل يعشق الطيران والطائرات وفي الوقت نفسه يعشق امرأة جميلة، أو لأميرة تمتطي ذئبا أبيض، تحارب الشر.
ومن هنا أتساءل: كيف يمكن لرجل أن يجلس على مكتبه، وفي يده قلم يرسم به، أن يخبر القصص من خلال صوره، دون سيناريو، مستعينا فقط بمخيلته الخصبة؟! كيف بإمكان هذا الرجل أن يأخذنا لعالم رحب جديد، عالم نعيش فيه، نشعر، نبكي، نضحك، نغضب، نتفاءل ونحبط؟! مجموعة من المشاعر في آن واحد، من خلال ميازاكي وداخل عالمه تخبر الحياة بكل ما بها من مشاعر وتحديات وأنت جالس على مقعدك في بيتك.
هي تجربتي الأولى في الكتابة الصحافية ومن أحق من ميازاكي ليكون بدايتها.