يعاني العالم الصناعي في الوقت الراهن من ضائقة سياسية واقتصادية تتلخص في معدلات نمو ضعيفة خاصة في مرحلة ما بعد الأزمة المالية 2008، والتي عصفت بشكل اساسي بالولايات المتحدة الأميركية، واستطاعت بفضل خبرائها الاقتصاديين تصدير ما يسمى كماشة الازمة الى الخارج، حيث بدأت بتطبيق سياسة الحرب الاقتصادية على ارض الغير مع تمويلها من خزائن الازمة، حتى خرجت من عنق الزجاجة وعاد الاقتصاد الى بريقه.
وكذلك الأمر في أوروبا، فإن النمو الاقتصادي العام ضعيف جدا (باستثناء ألمانيا)، بالاضافة الى انه دراماتيكي في دول الأطراف كإيطاليا واليونان والبرتغال، حيث ادت المحاولات السابقة لتحفيز الاقتصاد الأوروبي عن طريق الأدوات التقليدية (السياسة النقدية)، إلى انخفاض الرفاهية الاجتماعية لدول منطقة اليورو مقارنة بالفترة السابقة لما كانت عليه في 1999.
ويرجع هذا التراجع في الناتج المحلي إلى الضعف في الطلب الداخلي للأفراد (المحرك الرئيسي للنمو) والذي لايزال دون مستواه قبل الأزمة. وفي ضوء ذلك فان هنالك 4 مؤشرات على تغير الاتجاهات الاقتصادية بشكل جذري في الدول الصناعية، هي:
التحول في السياسات الاقتصادية
خلال الـ 8 سنوات الأخيرة افتتح الفيدرالي الأميركي نادي السياسات النقدية المغرقة للأسواق بالسيولة، وكانت آنذاك الأداة التقليدية الوحيدة لتحفيز الاقتصاد الأميركي نظرا إلى المديونية العامة الهائلة التي تقع على كاهل الإدارة الأميركية.
وقد نجح الفيدرالي الأميركي بسياسته في دفع عجلة النمو، والوصول إلى تضخم عند حدوده المستهدفة (مع القيم المتأرجحة كالطاقة) ومعدل بطالة منخفض حتى يقارب العمالة الكاملة.
موخرا بدأت التساؤلات حول قدرة الاقتصاد الأميركي في تحقيق الاستقرار في النمو الاقتصادي على المدى الطويل بعدما لامست السياسة النقدية حدودها القصوى. فجاء خطاب الرئيس ترامب بالأمس ليعطي مؤشرات على السياسة الاقتصادية الأميركية للمرحلة المقبلة تكون مكملة للمرحلة السابقة لتأمين استمرارية واستدامة النمو على المدى الطويل.
التوازن الطويل الأجل
التقرير الفصلي الصادر عن FOMC عن العام ٢٠١٦ بشأن توقعات النمو، البطالة، التضخم ومعدلات الفائدة على الصناديق الفيدرالية المرتبطة بالسياسات النقدية للفيدرالي الأميركي، أظهر معدلا توازنيا في حدود ٢.٩% مقارنة بتوازن يوازي ٤.٢٥% لعام ٢٠١٢ (المعدل الصفري يعني انعدام الارتباط).
المقصود هنا هو دراسة التقارب بين الخصائص الاقتصادية بين فترتين او دورتين اقتصاديتين. بمعني اخر، ان المؤشر يعطي فكرة واضحة على درجة تأثير أزمة ٢٠٠٨ على الدورة الاقتصادية الحالية. نلاحظ ان المؤشر يتراجع مع الوقت.
ضعف دينامكية التجارة العالمية
أشارت الدراسة التي أجراها معهد CPB الهولندي إلى ان نمو التجارة العالمية بلغ حده الأدنى عند ٠%. وهي نسبة متدنية جدا بالمقارنة مع الفترة الممتدة منذ العام ١٩٩٢ لغاية ٢٠٠٧. هذا التغير الجذري مفاده ان هناك تحولا في الاتجاهات الحالية للعلاقات الاقتصاديه الدولية. سابقا، كان هناك دولة تعتبر قاطرة للتجارة والنمو العالمي.
فكانت الولايات المتحدة عموما المصدر الرئيسي لهذا المحرك. ولعبت الصين بعدها هذا الدور. وكان هذا الوضع مريحا لأوروبا التي تصرفت كتابع مما در عليها بنتائج إيجابية. هذا الحال لم يعد كذالك، فلا أميركا التي بدأت بالانغلاق على نفسها معلنة بداية نهاية العولمة، ولا الصين المنهمكة منذ زمن في كيفية تحقيق استقرار مستدام في النمو، قادرتين على لعب هذا الدور مستقبلا. لذلك، ان الاعتماد على العوامل الخارجية لتحفيز النمو أصبح غير مجد، ويجب الاستعانة بالعوامل الداخلية المحفزة.
التوازن الاقتصادي بين الدول الصناعية والناشئة
يقاس هذا الأمر بمعيارين: الأول وهو التوزيع المتوازن للدخل بين الدول. خلال العقدين الأخيرين نمت مداخيل دول كالصين والهند بوتيرة مضاعفة عن كثير من نظيراتها الدول الصناعية وكان هذا على حساب الأفراد من ذوي الدخل المحدود في الدول الصناعية.
الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية مع انخفاض ملحوظ للطبقة الوسطى التي اقتربت كثيرا من حدود الطبقة الفقيرة. في المقابل، نمت الطبقة الوسطى في الدول الناشئة بشكل سريع وارتفعت مداخيل الطبقة الفقيرة وأصبح الدخول إلى التعليم، الطبابة والتكنولوجيا في متناول شريحة واسعة من الشعب.
هذا الأمر معطوف على زيادة الإنفاق العام على القطاعات السالفة الذكر، أدى إلى دفع النمو الاقتصادي بحيث من المتوقع ان يصبح اقتصاد الصين الأول عالميا في العام ٢٠٢٥ على أساس الناتج المحلي، النمو، الإنفاق التكنولوجي والعسكري.