مازلنا بين يدي سورة الأنبياء وهي سورة مكية عظيمة مدارها عقيدة التوحيد التي جاء بها الأنبياء جميعا وإن اختلفت الشرائع حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن مهيمنا خاتما للرسالات وكان تمام الدين.
بدأت بالإخبار عن اقتراب الساعة والحساب ووصف الكافرين بأنهم غافلون معرضون لا يستمعون إلا وهم ساخرون مكذبون لاهون.
ابتلاءات ثلاثة
بيّن الله عزّ وجلّ ثلاثة أنواع من الابتلاءات، الأول التكذيب والأذى وهذا ما حدث مع الأنبياء ابراهيم ولوط ونوح ومحمد عليهم الصلاة والسلام. والثاني الابتلاء بالنعم كسليمان وداود وكيف كان تلقيهما لهذه النعم بالشكر والطاعة وزيادة العمل، والثالث ابتلاء ذاتي حدث للأنبياء مع أنفسهم كأيوب وما حدث مع مريم، فواجهوا الابتلاءات بالصبر والثبات والرضا بقضاء الله فكانوا من الفائزين.
سبب استجابة الدعاء
(ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم).
واجه نوح عليه السلام ابتلاء كبيرا من قومه، 950 سنة يدعوهم وهم لا يؤمنون، وكان فسادهم سببا لعدم دعائه لهم بالرحمة، فدعا الله (أني مغلوب فانتصر) لابد ان يعلم المؤمن انه مجاب الدعوة لأن الإيمان هو المزية التي تحدث بها اجابة الدعاء، وأعظم الناس صلاحا الأنبياء عليهم السلام فقد دعا سليمان عليه السلام ربه (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين).
نعمة العلم من أفضل الكمالات
(وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين).
وتنقلنا سورة الأنبياء إلى مشهد آخر وهو قصة «سليمان» و«داود» عليهما السلام، فقد آتاهما الله العلم الواسع والحكم بين العباد (إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم) أي اذ تحاكم إليهما صاحب حرث نفشت فيه غنم القوم، أي اكلت من اشجاره ورعت زرعه، فقضى داود عليه السلام بأن الغنم تكون لصاحب الحرث، وحكم سليمان بحكم موافق للصواب بأن أصحاب الغنم يدفعون غنمهم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرها وصوفها ويقومون على بستان صاحب الحرث حتى يعود إلى حاله الأولى وبرجع كل بما له.
قال العلماء: داود حكم بالفصل وسليمان حكم بالأرفق.
نعم الله على أنبيائه
امتدح الله تعالى سليمان وداود عليهما السلام فأخبرنا ببعض نعمه على داود وهي نعمة الصوت الحسن وذكر الله، فكان أعبد الناس وأكثرهم تسبيحا وتمجيدا فقال تعالى: (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير) وكان الله قد أعطاه من حسن الصوت ما لم يؤته أحدا من الخلق فكان إذا سبح جاوبته الطيور، وهذا من فضل الله عليه وإحسانه، وعلمه الله صناعة الدروع، فهو اول من صنعها فألان الله له الحديد وعلمه صنعة الدروع لتقيكم وتحفظكم عند الحرب.
وذكر الله تعالى نعمه الأخرى (ولسليمان الريح) أي سخرناها سريعة مع مرورها تجري بأمره تحمله هو وأصحابه حيث يشاء. فقد وهب الله لسليمان السلطة على الرياح وهذا أمر عظيم.
ثم بيّن نعمة أخرى أنعمها الله على سليمان (ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين) سخر الله الشياطين من اجل خدمة سليمان فكانوا يغوصون في البحار ويبنون له القصور الشاهقة ومنها بيت المقدس.
وهذه الآية تذكير بأن للجن علما او قوة ولا يعلم الغيب إلا الله (وكنا بكل شيء عالمين) قد أحاط علمنا بجميع الأنبياء وعلمنا داود وسليمان ما اوصلناهما به.
ابتلاءات الأنبياء
ثم تحدث عن الصنف الثالث من الابتلاءات التي اصابت الأنبياء فقال تعالى (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) واذكر عبدنا ورسولنا أيوب، حيث ابتليناه ببلاء شديد فوجدناه صابرا راضيا فنادى ربه قائلا: إني مسني الضر وأنت ارحم الراحمين، وهذا غاية الأدب بين يدي الله، فلم يقل مسستني بضر، وانما جعل الضر كأن له كيانا، فاستجاب الله له وأعاده معافى على احسن حال، وقد جعل الله تعالى ايوب قدوة في الصبر على البلاء، والصبر درجات ثلاث: صبر على طاعة الله وصبر على معصية الله وصبر على أقدار الله المؤلمة.