سواء كان وجود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معا في موسكو مجرد «صدفة»، أم كان متعمدا ومخططا له، فإن هذا التزامن في الزيارتين كاف للتأكيد من جهة على الدور الروسي المتعاظم انطلاقا من سورية، والذي تحتاجه إسرائيل وتركيا مع استمرار الانكفاء الأميركي حتى إشعار آخر. ولتسليط الضوء من جهة ثانية على تقاطعات تركية ـ إسرائيلية في الملف السوري الذي يتصدر جدول أعمال الزيارتين:
1 ـ رغبة البلدين في تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع روسيا، خصوصا في المناطق الحدودية، حيث تتشابه الهواجس: الهاجس الإسرائيلي من قيام قواعد وبنى تحتية ووجود عسكري دائم لحزب الله وإيران قرب الجولان. والهاجس التركي من قيام شريط حدودي كردي في شمال سورية.
2 ـ قلق البلدين من السيطرة الإيرانية المتزايدة على سورية: نتنياهو أعلن صراحة أنه سيبلغ بوتين بأن إسرائيل عازمة على منع طهران من إحكام سيطرتها على سورية سواء برا أو من جهة البحر (كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن نتنياهو نقل لبوتين رسالة إسرائيلية ـ أميركية مشتركة، مفادها أن البلدين «قررا القيام بحملة عملية لردع إيران عن بسط نفوذها في سورية. والرسالة تؤكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعتبران التجارب التي تجريها إيران على الصواريخ الباليستية تحديا لهما، وأن مصالح حيوية وحساسة لطهران في سورية قد تكون أهدافا لهما قريبا. وكل شيء إيراني يتحرك في سورية سيكون مرمى للضرب») بحسبما ابلغت مصادر صحيفة «الشرق الاوسط». وأردوغان الساعي الى تعزيز نفوذ تركيا في الشمال السوري يشجع على تحجيم دور إيران المنافس الإقليمي الأبرز لها، وفي كلا الحالين يحتاج نتنياهو وأردوغان الى روسيا المرتبطة بتفاهمات ومصالح استراتيجية مع إيران.
3 ـ التطورات العسكرية التي تفرض على إسرائيل الحصول على تفهم ودعم روسي أوضح لمطالبها ومصالحها الأمنية، إذ إن التطورات ومنحاها في سورية تجاوزت مسألة تنظيم قواعد الاشتباك والحركة الجوية وضمان عدم حصول احتكاكات أو إشكالات، وباتت تطرح مسألة أمن إسرائيل وحاجتها الى ضمانات وخطوط حمر روسية تمنع وجودا دائما لحزب الله في جنوب سورية.
التطورات العسكرية تفرض أيضا على تركيا رفع درجة التنسيق مع روسيا، وإذا كانت تركيا أبدت في وقت سابق اهتماما بسحب حزب الله من سورية وتدخل روسيا لممارسة ضغوط على إيران في هذا الاتجاه، فإن التطورات الحاصلة في شمال سورية هي التي تضغط على تركيا التي تشعر بعدم الارتياح تجاه الموقف الأميركي، ولا تلمس أي تغيير عن سياسة إدارة أوباما السابقة فيما يتعلق بعملية الرقة أو إخراج العناصر الكردية من منبج بموجب تعهدات أميركية سابقة.
زيارة أردوغان لها صلة أكثر بالتطورات الراهنة، على الأرض وعلى طاولة المفاوضات مع عقد جولة جديدة من المفاوضات في الأستانة الأسبوع المقبل، وما سيحاوله هو تثبيت نهج التعاون وإطلاق آفاق جديدة له، من خلال تأكيد الالتزام بالشراكة في ضمان وقف النار ودعم التسوية السياسية في سورية. لكن هناك ملفات عالقة ستكون مطروحة على طاولة البحث بينها الوضع حول حملة «درع الفرات» بعد سعي موسكو أخيرا الى كبح جماحها بهدف منع وقوع اشتباك مع القوات الكردية، إضافة الى موضوع المطالب التركية لموسكو بممارسة ضغوط على طهران لضمان التزام وقف النار.
أما محادثات نتنياهو فإن لها آفاقا مستقبلية: مستقبل الحل في سورية ومستقبل أمن إسرائيل. إسرائيل تتمسك بخط التواصل مع موسكو، باعتبارها المدخل الإلزامي لأي محاولة تأثير في الساحة السورية، وبما يؤكد أنها لا ترى في الأفق أي تغيير جذري في المعادلة السورية، حتى بعد تولي دونالد ترامب الرئاسة الأميركية. ولكن هناك هوة تفصل بين الحد الأدنى الذي ترى إسرائيل أنه يلبي مطالبها، والحد الأقصى الذي يمكن أن يقدمه الروسي، بما لا يربك تحالفاته ومصالحه.