- تغنّى به الأجداد وصدحوا بـ «اليامال» متأثرين بخليط من الفنون العدنية والخليجية والهندية والأفريقية
- الصقر: أهل الكويت تميزوا بفنون «الصفقة» و«السنكني» بينما تميزت البحرين بـ «اليحلة»
- فن الحدادي من أغاني الترفيه والسمر والترويح عن النفس وليس العمل
- أهل عمان والإمارات تميزوا بالشيلات ويعتمدون عليها أكثر من «النهمة»
«النهمة» أحد الفنون الشعبية البحرية القديمة والذي كان مقتصرا على البحر والبحارة في سواحل الخليج ما بين البصرة وسلطنة عمان، وتغنى به الأجداد حينما كانوا يجوبون بسفنهم البحار للغوص أو التجارة سعيا وراء قوتهم.
والنهمة «بتسكين الهاء» تعني بلوغ الهمة أو الصوت الزجر، وقد تحولت بمرور الزمن من لهو بحري لتشجيع البحارة على القيام بأعمالهم إلى فن بحري خالص له قواعد ثابتة بالاداء، والى لون من الغناء الفلكلوري يصاحب أهل البحر منذ بدء رحلتهم.
غنى بهذا الفن الأجداد «الهولو» وصدحوا بـ «اليامال» متأثرين بخليط من الفنون العدنية والخليجية والهندية والأفريقية، نتيجة اتصالهم بتلك الشعوب، مستلهمين من أصوات الموج وهدير البحر وصرير الصواري في تشكيل غنائهم البحري.
وأطلقت المؤسسة القطرية العامة للحي الثقافي (كتارا) في ابريل الماضي جائزة كتارا لفن النهمة (نهام الخليج)، التي فاز فيها النهام القطري علي المري بجائزة (نهام الخليج)، تلاه الكويتي سالم مسيعيد ثم البحريني أحمد عبدالله جمعة.
وهذا التنوع الخليجي في المشاركة بهذه الجائزة يعكس حجم التشابه في الثقافات والفنون في دول الخليج، لاسيما في فن (النهمة)، إلا ان هناك بعض الاختلافات التي رصدت في تناول هذا الفن بين الكويت والبحرين وقطر.
وفي هذا الإطار، قال الباحث والفنان فتحي الصقر في لقاء مع «كونا» ان: «فن النهمة متشابه في الخليج لا اختلافات فيه إلا في التنازيل (أي الأغنية) أو الشيلات، إذ تكثر الشيلات في قطر والبحرين والإمارات وعمان مقارنة بالكويت».
وأشار الصقر الى ان الاختلاف أيضا في السرعات وفي أداء الغناء (المد) ونوعية الغناء، مسترشدا بالاختلاف بين فن (الدواري) في البحرين والكويت».
وذكر ان الاختلاف يكون أيضا في طريقة العزف وفي أداء (الخطفة) (وهي من الأغاني التي تؤدى أثناء رفع الأشرعة أو خطف الشراع)، فرغم انها من نفس الميزان إلا انها تختلف في الأداء، إذ ان أهل البحرين أسرع في أدائها كما يعرف عنهم أنهم يمدون في غنائها، أما أهل الكويت فإنهم يأخذون الطابع الثقيل والسهل الممتنع في أداء الفنون البحرية، ولا تغلب عليهم السرعة في أداء الأغاني البحرية بل إن سرعتهم تعد متوسطة.
ترفيه وسمر
وأوضح الصقر ان «أهل الكويت تميزوا بفن (الصفقة) الذي يعد قويا وكانوا لا يفضلون السرعة فيه في حين أن أهل البحرين مثلا وفي فن (الحدادي) (وهو من أغاني الترفيه والسمر والترويح عن النفس وليس العمل) يدخلون الصفقة في أي وقت وتستمر للحظات وتنتهي» وغناؤهم دائما سريع الوتيرة حتى في الفنون الأخرى مثل (الخماري).
كما انفرد أهل الكويت عن سائر دول المنطقة بفن (السنكني) - بكسر الكاف - نتيجة لأسفارهم خلافا لأهل البحرين وقطر الذين كانوا يمارسون الغوص فقط.
ومن خلال ما سمعوه في أسفارهم من إيقاعات وأصوات لاجراس الكنائس خرج الكويتيون بفن (السنكني)، وهي كلمة تعني (ثقيل) فكأن اسمه الفن الثقيل وهو فن يحتوي على أجزاء كبيرة ومعقدة في الإيقاعات والأداء والرقص وهو الوحيد الذي يحتوي على آلة نفخ (الصرناي) أو (المزمار).
وفي هذا الإطار، قال الباحث والنوخذة علي صالح الرومي: ان فن «السنكني» يمارس أثناء الاحتفال بترميم السفينة بعد الانتهاء من تصليحها وسد الفتحات وصبغها لتصبح جاهزة للإبحار.
وأضاف الرومي: ان كل دولة في الخليج لها مدرسة مختلفة في أداء النهمة، وذلك بحسب الأغاني الخاصة بالعمل، فالبحرين تميزت بـ «اليحلة» وهي نوع من الفخار واستخدم كإيقاع ثم أخذها أهل الكويت منهم. ولكون البحرينيين والقطريين من أهل الغوص فقط فإنهم يقضون فترة أقل في البحر، لذا انتشرت فنون الترفيه والسمر عندهم أكثر من فنون العمل فتميزوا بـ (الدور) المنتشر على ساحل البحر حيث يتجمع فيه البحارة لأداء جلسات يطلق عليها اسم (الانس) يتسامرون فيها ويغنون العديد من الفنون مثل (الحدادي) و(الفجري).
ويعد فن (الفجري) من الفنون التي انطلقت أساسا من أهل البحرين والمتعارف عليه لديهم بأنه يكون فقط في حال وجدت معه عدة آلات. أما فن (الحدادي) الذي وصل للكويت من البحرين أيضا فهو من (الحداي) ويبدأ بـ (الزهيرية) قبل بداية الغناء، ويطلق عليه أهل الكويت اسم (اجراحان) وتعني (اشرح) وقيل (اجرح)، وذلك قبل الغناء (التنزيلة) والحدادي دائما يبدأ بزهيرية لا بموال.
وتميز أهل عمان والإمارات بالشيلات ويعتمدون عليها أكثر من (النهمة)، وغلب عليهم هذا الطابع لعدم توافر الوقت الكافي للسمر لأن منطقتهم أقسى من باقي دول المنطقة، وذلك لبعد مغاصات اللؤلؤ.
رحلات الغوص
ولم يكن في رحلات غوصهم الكثير من عدة الفنون كالطبول وغيرها ونتيجة لذلك اعتمد الإماراتيون أكثر على الأداء الصوتي والضرب بالأقدام على سطح السفينة، في حين استخدم الكويتيون الإيقاعات في سفنهم، كما اختلفوا أيضا عن الكويت والبحرين وقطر في اللحن لأن معظم غنائهم (سواحلي) من زنجبار وأفريقيا واعتمادهم على الشيلات يحدث عندما يكون النهام غير موجود على السفينة حالهم حال معظم أهل دول الخليج.
و(النهام) يعد الركيزة والمحور الذي يقوم عليه الغناء، وهو الاسم الذي يطلق على مغني السفينة ويتجاوب البحارة مع ما يصدر عنه من أغان تعبر عما في صدورهم من ألم الفراق والبعد عن الديار، كما كان يشجع بغنائه كل من على السفينة على تحمل المشاق والصبر بالابتهالات والدعاء كنوع من بدايات العمل.
وللنهام عدة صفات يجب توافرها أبرزها قوة الصوت وطبقاتها كي يزود البحارة والغواصين بالطاقة والتي كانت تبدأ دائما بذكر الله، وتعد مهمة النهام أساسية في أي رحلة ولا تكاد تخلو سفينة من نهام الى 3 نهامين يتقاضون أضعاف ما يتقاضاه الغاصة.
ومثلما ينتقي قبطان السفينة (النوخذة) ومساعده (المجدمي) البحارة الأشداء فإنهما ينتقيان ايضا النهام صاحب الصوت الصداح والنهمة الشجية التي تثير البحارة وتشحذ هممهم، وبسبب هذا الدور المهم يحظى النهام بالكرم وحسن المعاملة.