الفلاح: في عباءة الصيام دروس بليغة للمسلمين في التغيير وإصلاح ما فسد من أمورهم
رمضان فرصة لتغيير النفس الأمارة بالسوء ففيه تتهذب الأخلاق وتشعر بالنقاء والقرب من الله تعالى ويجعل المسلم يغير من نفسه فكيف يكون هذا التغيير؟ هذا ما يوضحه لنا الداعية الإسلامي الشيخ أحمد الفلاح.
يبين الداعية الاسلامي الشيخ أحمد الفلاح كيف يكون الصيام قانونا للتغيير؟
فيقول الصوم مدرسة روحية سامية تطهر القلوب وتؤدب النفوس وتسمو بأرواح المؤمنين في معراج الصلة بالله، وترتقي بأعمال المؤمن ووجدانه الى عالم الهداية والطهر والنقاء الى منازل القبول والرضوان عبر قيام الليل واستغفار الله بالأسحار وكثرة ذكر الله وتلاوة القرآن والبر والاحسان ونبذ الحرام وهجر المعاصي والمنكرات وتعشق العبادة ولزوم الطاعات.
فان عبادة الصوم التي فرضها الله تعالى وجعلها من أركان دينه تحدث تغييرا متجددا ينهض به الى المعاني الايمانية العالية والمثل الأخلاقية الكريمة والقيم الانسانية تزرع مبدأ التقوى فيه.
وأكد ان قانون التغيير يحتل مركزا مهما في منهج الاسلام وعلى مدار الحياة وتضعف عزيمته في مسالك الحق ويقع فريسة حب الدنيا واهواء النفوس ومكائد الشيطان، فيصبح مفتقرا الى تغيير جذري وانقلاب شامل في واقع حياته، كما ان عبادة الصيام تؤدي دورا فعالا في ميدان هذا التغيير ويربي في مجتمع المسلمين القدرة على تغيير واقعه ويستشري هذا ويشمل التغيير في حياته في نهاره وليله وصحوه ونومه.
وانتقل الداعية الفلاح الى التغيير في مضمار السلوك فقال نجد المسلم في سلوكه ينبذ الكلمة السيئة ويهجر الخصومة مع الناس ويتحلى بالألفة والطيب والصفح والتسامح واضعا نصب عينيه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم «اذا كان صوم أحدكم فلا يصخب فان سابه أحد أو قاتله فليقل اني امرؤ صائم».
التغيير في النفس
ومازال يسرد علينا الداعية الفلاح مراحل التغيير في رمضان فيقول: اما التغيير في نفس الصائم فنجده يمتنع عن الطعام والشراب وسائر ملذات الحياة والشهوات وعدم الانغماس في زينة الدنيا الفانية واضعا نصب عينيه هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياته حيث اعرض عن الدنيا وزينتها.
وقال: «مالي وللدنيا؟ ما انا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» واضاف: اما التغيير في ميدان علاقة العبد بالناس ومجتمعه الاسلامي فتجده يطلق يده بالانفاق في سبيل الله ويجود على الفقراء والمساكين ويحسن الى المحتاجين وقد جعل نصب عينيه قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
ثم انتقل الشيخ الفلاح الى ان التغيير في واقع صلة العبد بالله فنجد ليله يزدهر بالقيام والركوع والسجود والتضرع والخضوع والدموع وهو يتمثل في واقع حاله معنى قوله سبحانه: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناكم ينفقون) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» كما تجده يجلس الى مائدة القرآن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار ذاكرا قوله عز وجل: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) وذاكرا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يأتيه جبريل عليه السلام في رمضان فيتدارسه القرآن، كما تجده يأوي الى مجالس الذكر والعلم والايمان ويكثر الخطى الى المسجد ليحظى بشهادة الايمان، وهكذا يحدث الصيام في حياة المسلم انقلابا جذريا وتغييرا شاملا في واقع النفس والمجتمع، فيتجلى الصوم عبادة بناءة، تبني العقيدة الصحيحة بالتقوى، وتبني الفرد المسلم باليقين والاخلاص والعزيمة الصادقة، وتبني المجتمع الانساني بالاخلاق الفاضلة، وتجعل المثل العليا والمبادئ الانسانية الرفيعة حقيقة واقعة في سلوك المؤمنين الصائمين.
نظرة إلى رمضان
وبين الداعية الفلاح ما يأمله في نظرة المسلمين الى رمضان فقال: يجب ان ينظر المسلمون الى رمضان نظرة واعية فلا يتصورنه شهر الاطعمة الشهية والسهرات التافهة وشهر المسلسلات التلفزيونية والاناشيد، بل يجب عليهم ان ينظروا الى عبادة الصوم نظرة تحاكي اسلافهم لما صاموا الصيام الحق امتلأوا بقوة روحية عالية جعلتهم يهزون كيان الباطل في بدر، ويفتحون مكة في عام الفتح ويقوضون دعائم دولة فارس والروم ويعبرون الى بلاد الاندلس ويركبون قمم جبال البرانس ويقهرون الصليبيين في حطين ويهزمون جحافل التتار في عين جالوت، واستطاع خليفتهم ان يخاطب السحابة فيقول لها امطري حيث شئت فان خراجك عائد الي، وانطلق معتصمهم بجيشه الجرار منتصرا لامرأة مسلمة صرخت في وجه طغيان الروم ونادت: «وامعتصاماه» فقال لها: «لبيك يا امرأة» فعاد وسيوفه تقطر من دماء أعداء الله، فيجب على المسلمين اليوم ان يأخذوا من عبادة الصيام درسا بليغا في التغيير ويلتزموه عبادة تصلح ما فسد في أمورهم وتقوم ما انحرف وتعبد أمامهم طريق العزة والكرامة والنصر والسيادة قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).