سورة عظيمة والقرآن كله عظيم، سماها الله «النور» لما فيها من تزكية للأنفس والجماعات، وفرض الله فيها أحكاما رحمة منه بالعباد، وجعل فيها الوقاية من كل خطيئة وفاحشة، فبدأها بأحكام يتطهر بها المجتمع من رذيلة الزنا وما يتعلق بها، ثم بيّن الله عز وجل خطوات وقائية لخدمة المسلمين ووضع كذلك آدابا شرعية أمر عباده بالالتزام بها مثل الاستئذان وغض البصر وعدم التبرج، وهذه الآداب الأخلاقية هي نفسها الأحكام التعبدية في الاسلام، فلا فرق بين الأخلاق والعبادات، والتي جمعها الله تبارك وتعالى في سورة واحدة.
البيوت حرمات
(وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم).
كل أحكام القرآن صيانة ورفعة للانسان المؤمن، ومن هذه الصيانة حفظ كرامته، فعلى الانسان ان يحسن الظن بأخيه المسلم، وألا يكون من الملحين، فلا تغضبوا إذا قيل لكم ارجعوا فإن صاحب المنزل لم يمنعكم حقا لكم وانما هو متبرع، فإن شاء أذن او منع، وهذا أزكى وأطهر لكم، والله يجازي كل انسان بعمله، وهذا الحكم في البيوت المسكونة سواء كان فيها متاع للإنسان ام لا، وفي البيوت غير المسكونة التي لا متاع فيها للانسان بين تعالى الإجراء الوقائي في الاستئذان، فالبيوت التي ليس فيها أهلها وفيها متاع الانسان المحتاج للدخول اليها وليس فيها أحد يتمكن من استئذانه كبيوت الكراء وغيرها، فليس عليكم حرج واثم، ودل على ان الدخول من غير استئذان في البيوت المسكونة مُحرّم وفيه حرج.
احترازات قرآنية
(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.. الآية)، جاءت الخطوة الثانية الأمر بغض البصر ان كنتم حقيقة اهل الإيمان فطبقوا هذا الأمر، (ويحفظوا فروجهم) عن الوطء الحرام، فالإنسان يجب أن يحرص على أوامر الله، ومنها الطهارة التي يأمركم بها الله تعالى والتي تأتي بكل خير، وحفظ الفرج أمر به الله مطلقا لأنه لا يباح في حالة من الأحوال، فلا تنكشف العورات، والأمر كما جاء للرجال جاء للنساء ليبين مكانتهن، فالنساء شقائق الرجال.
كمال الاستتار
(وليضربن بخمرهن على جيوبهن)، أمر بالحجاب الشرعي، يقول عز وجل للمسلمات: خالفن المشركات، والجيب هو الصدر والرقبة، حيث كانت المشركات يسدلن الخمار على الوجه ويكشفن الرقبة والصدر، ويدل ذلك على ان الزينة التي يحرم ابداؤها يدخل فيها جميع البدن (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن)، أي لا يضربن الارض بأرجلهن ليصدر ما يتزين به من خلخال وغيره صوتا فتعلم زينتهن بسببه.
وجاء الإجراء الوقائي الثالث (وأنكحوا الأيامى منكم.. الآية)، يأمر الله تعالى بإنكاح من لا أزواج لهم من رجال ونساء، ثيبات وأبكارا، والأمر رغب الله فيه السادة حتى يزوجوا عبيدهم.
أما الذي لا يستطيع الزواج فلا بد ان يتحصن بالعفة (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله)، وهذا حكم العاجز عن النكاح بأن يكف عن المحرم. قال النبي صلى الله عليه وسلم «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».
غاية القبح
(ولا تـــكرهوا فتـياتكم على البــــغاء.. الآية)، هذه مصيبة أخرى كانت في المجتـــمع الجاهلي، حيث كان الرجل اذا كانت عنده جاريات يتكسب من وراء زنــــاهن ويـــجبرهن على البغاء ليأخذ منهن اجرة ذلك، ثم دعا من أكرههن إلى التوبة، فقال (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم).