بعد تحديد موعد مؤتمر «سوتشي» نهاية الشهر الجاري، والذي بدا كأنه يرسم ملامح تسوية روسية خالصة، تغيرت الصورة، فإذا كان هناك شيء من التفويض في مرحلة التدخل، فلا أثر له في مرحلة البحث عن الحل السياسي. الموقف الأميركي الجديد والصريح الذي أعلنه وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس قلب الصورة، فقد تحدث عن زيادة الوجود الأميركي المدني والديبلوماسي شرق الفرات، حيث يسيطر حلفاء أميركا الأكراد في «قوات سورية الديموقراطية» (قسد)، فرسم بذلك بداية مسار جديد، وزيادة في الوضوح رد على ولايتي والأسد «لدينا خط فاصل بين المناطق.. وسيكون من الخطأ تجاوز هذا الخط»، هذا الجديد أربك موسكو فاتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الأميركيين بأن «وجودهم يعيق التسوية السياسية ويهدد وحدة البلاد».
التطور في الموقف الأميركي تلا أمرين: الأول، أنه سيكون أمام مؤتمر «سوتشي» مسودة دستور أعدتها موسكو، وسيتم التطرق إلى الهياكل الجديدة للدولة السورية، وأن البند الثاني سيكون البحث في الانتخابات، وأرفق كل ذلك بتهديد الجهة التي ستتغيب بأنه لن يكون لها مكان في سورية الغد. ورغم إعلان مقاطعة 40 جهة معارضة على الاقل، مضت موسكو بوضع قوائم المشاركين بالتوافق الجزئي مع دمشق وأنقرة وطهران.
الثاني، يكمن في توافق الإدارة الأميركية على ما سمي «خطة سلام من أجل سورية»، وهو ما أعدته «مؤسسة راند» (قريبة من الپنتاغون) التي تحث على ترسيخ النفوذ الأميركي في سورية ما دام النظام مستمرا، وتدعو لتشجيع قيام إدارات محلية وحكم ذاتي تشكل اتحادا كونفيدراليا يمهد لاتفاق سياسي يطلق المرحلة الانتقالية، تحت شعار لا دور للأسد في مستقبل سورية، وحتى يتحقق ذلك فإن الولايات المتحدة بوجودها المباشر تدعم حلفاءها، وتوفر الضمانة لحماية المناطق الواقعة تحت سيطرتهم في شمال شرقي سورية (28% من إجمالي المساحة) وكذلك الجنوب السوري، حيث منطقة «خفض التصعيد». كل ذلك يقود إلى استنتاج أن أميركا التي أنشأت القواعد العسكرية في الشمال والشرق السوريين، حددت مناطق النفوذ، معلنة رفضها انفراد روسيا بالتسوية السورية وبالحل، وربما أدى هذا الجديد الأميركي إلى خفض سقف توقعات مؤتمر «سوتشي». وموسكو تدرك جيدا أن شرط نجاح واستمرار أي تسوية هو إعادة الإعمار، وإعمار سورية يتطلب أموالا طائلة غير متوافرة لا عند الروس ولا الإيرانيين.
وهكذا تبدو الصورة الآن: هناك حاجة روسية إلى شراكة أميركية لأنها مدخل تثبيت وتكريس النفوذ والدور الروسيين أبعد من حدود الشرق الأوسط، والشراكة مع أنقرة وطهران غير كافية. ومنذ مجيء الإدارة الأميركية الجديدة ساد خطاب أميركي آخر وهو أن الإرهاب لا يقتصر على «داعش» و«النصرة»، بل ان نظام طهران هو المسؤول عن زعزعة الاستقرار، ولم تخف الإدارة الأميركية يوما مطالبتها موسكو بالشراكة في كبح نفوذ طهران.