تجلس عارضة الأزياء «ألما» أمام مصمم الأزياء وحبيبها - كما هو مفترض - «رينولدز وودكوك» على طاولة طعام واحدة لأول مرة يأكلان من دون وجود «سيريل» مساعدة «رينولدز» ولأول مرة تقوم «ألما» بتحضير الطعام على ذوقها الخاص، وباستخدام الزبدة، لأول مرة يخلو لهما البيت الكبير ليكونا بمفردهما تماما، من دون وجود باقي العارضات أو المشتغلات على التصاميم أو غيره لأول مرة كل شيء لكن لا يرضى «رينولدز» عن كل هذا ويبتسم مجاملا، يأكل مجاملا، يبدو «متخشبا» فتشعر «ألما» بذلك وتواجهه قائلة: «كل شيء في هذا المنزل غير طبيعي، فلتتوقف عن ألعابك، عن قواعدك، عن أموالك، كل شيء أشبه بلعبة» يسألها «رينولدز» بهدوئه المعتاد والقاتل للأعصاب: «ألا تعجبك الحياة في هذا المنزل؟» تنظر «ألما» إلى «رينولدز» للحظات، تتجمع الدموع في عينيها، لا تستطيع أن تكبحها، تنهض، وتنصرف.
عند هذه اللحظة تحديدا يبدو Phantom Thread أكثر اكتمالا تتفاعل معه بعدما تبلور في تحديد متابعتنا لعلاقة «ألما» بـ «رينولدز»، لكن المشكلة أن هذه اللحظة - وغيرها - لا تصل بك إلى مرحلة التفاعل الكلي المنشودة هنالك حاجز بينك وبين شخصياته والتفاعل يأتي في لحظات لكن سرعان ما يختفي في لحظات أخرى أكثر.
وأبرز لحظات التفاعل هذه عادة تلك التي تجمع «ألما» بـ «رينولدز» مثل تلك اللحظة التي تقيس فيها «ألما» أحد الفساتين، لتخبره و«سيريل» بأنه لا يعجبها، فهي لا تحب طبيعة قماش الفستان، ترد «سيريل» بأن هذا القماش من أفضل الأنواع وأنه مناسب للفستان، يؤيدها «رينولدز» بالقول: «سيريل دائما على حق»، فترد «ألما» بأنها ما زالت غير معجبة بالفستان، فيرد «رينولدز»: «ربما ليس لديك الذوق الكافي»، فترد «ألما» بشكل ساخر مستتر: «ربما يعجبني ذوقي هكذا»، فينهرها «رينولدز» لتتوقف عن المناقشة!
تحرك ألما (فيكي كريبس) الأمور الجامدة ربما لهذا السبب تحديدا هي الأقرب لنا حتى من رينولدز (دانيال دي لويس) ذاته وفي لحظة يعترف «رينولدز» صراحة لـ «سيريل» بأنه لم يعد قادرا على العمل أو التفكير أو غيره ثم يعود الإيقاع المفضل الذي يميل إليه مخرج الفيلم (بول توماس أندرسون)، فعادة ما ينتصر للأجواء القاتمة والشخصيات المفعمة بالأنانية، بل إنه تبدو حتى الشخصيات الثانوية مثل: الرئيسية في طبيعتها تلك، مثل شخصية «اللايدي العجوز»، والتي ترغب في الزواج مجددا بمباركة ابنها.
لهذا، يعد التفاعل والاكتمال مبتورا والمشكلة أنه عندما يأتي يسبقه الكثير من «التململ» أنت تتابع لفترة «رينولدز» ذاته وطقوسه اليومية عند تصميمه للفساتين وتتابعه لفترة في تعامله مع الزبائن ومع المشتغلات ثم تتابعه مع مساعدته «سيريل» كل هذا يتقاطع كثيرا مع علاقته بـ «ألما» حيث يأخذ الكثير من طاقة التفاعل بينهما وهو أهم ما في الفيلم، الحب والأخذ والعطاء والتنازل وغيره هو المعني بالفيلم وليس «رينولدز» «ألما» قالت له كثيرا: «أحبك»، ويمر الكثير من وقت الفيلم ليعترف «رينولدز» هو الآخر بهذا الحب أخيرا رغم أنه قبلها يعترف بأنه أخذ الكثير من الوقت ليبحث عنها، هل كان لأنها «الموديل المناسبة» لتصاميمه أم «الأنثى المناسبة» له هو شخصيا؟
يترك الفيلم السؤال السابق الأهم، لينشغل ويسهب في فرد مساحة لمحاولة اكتشاف شخصية «رينولدز»، فهو غامض، لديه الكثير ليقوله، لكنه لا يود التصريح به، ففي المرة الأولى التي يتقابل فيها مع «ألما» - والتي كانت تعمل كنادلة في مطعم وقتها - يحدثها عن الأسرار، يصارحها بأنه عادة ما كان يخبئ الكثير من الأشياء في حاشية الملابس، منها صورة والدته التي لا تفارقه أبدا.
يتم تعويضنا بعنصرين مميزين، التصوير والموسيقى التصويرية، وإن كان العنصر الأخير تشعر في أوقات وكأنه يأتي لمحاولة رفع إيقاع الفيلم الهادئ عادة لكن يظل العنصر البصري (تكوين الكادرات) يرفع كثيرا من قيمة الفيلم على طول الخط، فمثلا في تتابعات مشاهد الاحتفال - التي تحضرها «ألما» رغما عن «رينولدز» ليلحقها الأخير - تبدو «ألما» وسط جمهور الحفل، ترقص، تحتفل، وسط الأضواء، والكرنفال المقام، في حين يقف «رينولدز» على مستوى أعلى، في مكان أكثر ظلمة، منزو، لا يحاول خلق مساحة من التواصل مع الآخرين في الوقت الذي يذكرنا هذا بمشهد آخر يسبقه، وهو دخول «رينولدز» للبيت الكبير، بعدما صرفت «ألما» كل من فيه - كما ذكرنا سلفا - لتنتظره واقفة على السلم، في مستوى أعلى منه هي هذه المرة التي يحدث فيها هذا الشد والجذب ليس فقط في طبيعة العلاقة بينهما بل يعززه ويعمقه ويخدمه العنصر البصري بدرجة كبيرة كل هذا من المفترض أن يخلق بداخلنا تلك الشرارة والمشاعر والكثير لمتابعة الحبيبين، لكنها فور أن تشتعل، تخبو سريعا.
في النهاية، نستخلص من كل ما سبق أن الفيلم كان يمشي على وتيرة مختلفة، ويعطي الشعور بأن المرء جالس يقرأ رواية، وليس مشاهد لفيلم سينمائي.