يمكننا اعتبار أن فيلم «Black Panther» هو أنضج أعمال شركة مارفل حتى الآن، بل من أكثر أفلام الكوميكس والأبطال الخارقين نضجا، ويصل في مستواه إلى مستوى فيلم «Logan» الذي شاهدناه العام الماضي، وأخذنا في رحلة قاتمة شاهدنا فيها نضوج وشيخوخة «وولفرين»، والجانب الحزين من مغامراته، وفي فيلم «Black Panther» نرى شركة مارفل بعيون مختلفة، فبدلا من التركيز على قصة بطل وشرير محدودة الجوانب، نصبح شاهدين على ظلم وقع منذ أجيال مضت للقارة السمراء، فالفيلم يتحدث عن قضايا أكثر ثقلا من الحب والخير والانتماء التي تعرفنا عليها سابقا مع «مارفل»، بل يتناول هذه المرة العبودية والعنصرية، والانتماء ليس لوطن بل للون بشرة كان لفترة كبيرة وصما لصاحبه.
تعرفنا سابقا على شخصية الفهد الأسود في فيلم «Captain America: Civil War»، ذلك الشاب الذي ينتمي لمدينة «واكاندا» ويقتل والده ملك البلاد أمام عينيه، ويحاول الثأر من قاتله «جندي الشتاء»، قبل أن تبدأ الحرب الأهلية بين «الأفنجرز».
يأخذنا فيلم «Black Panther» للنقطة التالية لفيلم «Captain America: Civil War»، حيث يعود تشالا إلى مملكته ليتسلم مقاليد الحكم، ويتم تتويجه في حفل مفعم بالتقاليد الأفريقية الراسخة، ويصبح عليه إثبات نفسه أنه يستحق هذا الملك كوالده العظيم السابق.
استخدم ريان كلوغر - مخرج وكاتب الفيلم - البناء الدرامي الثنائي لعمله هذا، فلا نجد أنفسنا أمام بطل وشرير، بل أمام بطلين يمثلان جانبين متناقضين إلى حد كبير، لا تستطيع الحكم على أيهما بأنه على صواب طوال الوقت، أو خطأ دائما.
البطل الأول والأوضح هو تشالا «تشادويك بوسمان» ابن ملك واكاندا الذي يتشكك في قدراته وإمكانياته كملك بعيدا عن بدلة الفهد الأسود والزهرة السحرية - المعدلة جينيا - التي تعطيه قوة كبيرة تساعده على القيام بدوره البطولي، على الجانب الآخر نقابل كبلمونغر «مايكل بي جوردان» ابن العم، الذي تدرب على القتل لسنوات طويلة، له هدف واحد هو الوصول لواكاندا التي لم يرها من قبل سوى في أحاديث والده، والمطالبة بالحكم والعرش، ليس فقط طلبا للسلطة ولكن لمساعدة أخوته أصحاب البشرة السمراء حول العالم، وإمدادهم بالقوة والسلاح، وهي القضية التي لا نستطيع محاكمة كبلمونغر وإدانته بسهولة على إيمانه بها، فلقرون تم نهب أفريقيا واستعباد أهلها، ومعاملتهم بعنصرية بغيضة، ولا نستطيع رفض فكرة تراكم الغضب لدى الكثيرين نتيجة لكل هذه الممارسات، ومحاولة الانتقام أو على الأقل تمكين أصحاب البشرة السمراء من الدفاع عن أنفسهم. ولم يركز كلوغر في رسم الشخصيات على بطليه فقط، بل أضاف شخصيات كثيرة حولهما، لها أدوار محورية ومهمة، وخاصة النسائية منها، فنجد لدينا ناكيا «لوبيتا نينغو» الحبيبة السابقة والتي تؤمن بمبادئ مشابهة قليلا بتلك الخاصة كليمونجر، فهي ترغب في مساعدة أبناء جنسها، ولكن ليس بقوة السلاح، بل بصورة سلمية وبنقل علم واكاندا وخبرتها للخارج.
وأيضا شاهدنا الأخت الصغيرة شوري، التي تشبه العميل «Q» في أفلام جيمس بوند الذي يمد البطل بأحدث الأسلحة، ويعلمه كيف يستخدم التقنيات الحديثة في حروبه، بالإضافة الى الفرقة المسلحة النسائية التي تحمي ملك واكاندا وقبيلته والحدود بقيادة أوكويا «دانيا جروريا»، هذه الشخصيات النسائية لم تكن مجرد إكسسوار بجانب البطلين، بل كن محركات للأحداث، مهمات للدراما.
حافظ فيلم «Black Panther» على إيقاع قوي ومتوازن طوال الوقت، على الرغم من أن مدته تزيد عن الساعتين، فلا يشعر المشاهد بالملل أو أنه يرغب في أن ينتهي، ومشاهد الأكشن كذلك كانت رائعة كعادة افلام مارفل، وظهر فيها تكافؤ القوى، مع استغلال رائع للطبيعة الخاصة بمملكة واكاندا ومعدن الفيبرنيوم، والتقنيات الحديثة التي وصلت لها هذه البلد العجيبة.
واكاندا في حد ذاتها ووصفها يحتاجان لمقال منفصل، فقد أبدع كلوغر في صنع هذا المكان الرائع لفيلمه، فهي تتمتع بتكنولوجيا قوية، وفي ذات الوقت بأصالة القارة السمراء، ولم يكن هذا الإبداع يكتمل دون اهتمام واضح بكل من الأزياء، وتصميم الإنتاج، وبالتصوير الذي استطاع إظهار روح المكان وطبيعته، فكل كادر كان تحية محبة لهذه القارة بثقافتها وطبيعتها وجمالها.
أخذ المخرج شركة مارفل لقفزة كبيرة للأمام، وأخرجها من النطاق الضيق لأفلام الأبطال الخارقين ليدخل بها عالم الأفلام ذات القضية الاجتماعية والسياسية، ولولا الزي الخاص للفهد الأسود لنسينا أننا نشاهد فيلم كوميكس لبعض الوقت، وانغمسنا بالكامل في القضية الحساسة التي يقدمها كلوغر، والتساؤل الصعب «هل من حق أصحاب البشرة السمراء أخذ ثأرهم في وقتنا الحالي؟ هل العنف هو الحل ضد اضطهاد ما زال مستمرا حتى اليوم؟» وأيضا مرة أخرى نشاهد علاقة أبوة وبنوة معقدة، بل علاقتان على الأصح، فما بين تشالا ووالده نجد أن الابن يقدس الأب، ولكن يصدم فيه صدمة كبيرة تجعله يتمرد عليه في النهاية، وكبلمونغر كذلك تجمعه علاقة قوية ومبتورة بوالده، فمقتل الأخير كان الشرارة الأولى لنار الحقد التي ظلت مشتعلة في داخله من البداية حتى النهاية، وقد ورث عن الأخير نفس الأفكار والمبادئ، بل هو من طورها وأخذ خطوات أكبر لتنفيذها.