مفرح الشمري
Mefrehs@
قدمت فرقة المسرح العربي امس الاول على خشبة مسرح الدسمة عرضها المسرحي «الجلادان» المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان الكويت المسرحي بدورته الـ 19، وذلك وسط حضور كبير من الفنانين الخليجيين والعرب تتقدمهم سيدة الشاشة الخليجية حياة الفهد، حيث شهدت هذه المسرحية عودة د.موسى آرتي الى أجواء المهرجانات المسرحية بعد غياب عنها، والذي استطاع ان يقدم للحضور عرضا مسرحيا أنيقا بمعنى الكلمة دون «فذلكة»، كما يفعل غيره من المخرجين.
المسرحية من تأليف الإسباني فرناندو أرابال، وبطولة باسمة حمادة وخالد الثويني وسليمان المرزوق ومحمد ملك وحسين اشكناني وآخرين، حيث يعتبر هذا النص من النصوص الصعبة التي تتطلب قراءة واعية في مضامين ما وراء الكلمات، فالنص لا يتحدث عن مشكلة أم جاهلة غير واعية، كان سبب جهلها دمار أسرتها والقضاء على أفرادها.
ربما من المهم أن نتوقف عند كلمة «جلاد»، فما المقصود من هذه الكلمة؟ ومن الجلاد الحقيقي في النص الذي قصده المؤلف؟ هل هما الرجلان اللذان يمارسان القسوة وتعذيب الأب؟ أم هي الأم التي يرى ابنها أنها قديسة لكنها توحي للآخرين بأنها مظلومة وبريئة وأنها تعمل من أجل مصلحة ابنيها أم هو أحد الشقيقين؟
الجلاد الظاهر للعيان هو ما يقدمه النص في حالة تعذيب الأب من قبل «جلادين» يمارسان أقسى أنواع العذاب عليه، ولكن هناك جلادا آخر، نعتقد أنه الأم التي كانت وراء الوشاية التي أوصلت الأب إلى غرفة التعذيب، وكانت تتلذذ مع كل تيه ينطق به، أو صرخة من الأب أثناء تعذيبه.
كان المخرج موسى آرتي مدركا جدا لصعوبة هذا النص، ولو أنه اعتمد على قراءة سطحية له لأضاع كل شيء خاصة أن الديكور شبه الثابت يمكن أن يكون عقبة في طريقه، لكن تحول الديكور الثابت إلى مستويات عدة، منها مستوى الحوار بين الشقيقين، ومنها مستوى غرفة تعذيب الأم، وجعل حركة الام في أكثر من مستوى، وهذا أعطى النص والحوار دلالات عدة، كما أنه فعل من اللغة البصرية له، وهذا وعي مهم أدركه المخرج وعمل عليه، وبذلك حوّل جمود الحوار إلى لغة بصرية من خلال حركة الممثلين.
واستفاد المخرج من الإضاءة التي كانت في رأينا نجما مهما في العرض، وذلك ليس غريبا على الفنان عبدالله النصار الذي يمتلك خبرة ووعيا من خلال العديد من مشاركاته في المسرح، وقد كانت الإضاءة أحد العناصر التي فسرت النص بانسيابية ومن دون مبالغة.
المخرج نجح في تقديم عرض مسرحي متناغم وأنيق وغير ممل من خلال حسن اختياره لعناصر العرض سواء من الممثلين مثل النجمة باسمة حمادة والشاب المميز خالد الثويني الذي تفوق على نفسه كثيرا من خلال الكراكتر الذي جسده على خشبة المسرح والذي يحتاج مجهودا مضاعفا حتى لا يتسبب في إرباك من حوله.
الموسيقى الجميلة في العرض المسرحي والتي كانت عنصرا مؤثرا في أحداث العرض وتنقلاته كان وراءها ثلاثي مبدع وهم وليد سراب وعبدالله الخالدي وبدر الثويني، فكل الشكر لهم على هذه الموسيقى المتماشية مع أحداث المسرحية.
من خلال الحلقة النقاشية الصباحية الثانية للمركز الإعلامي بعنوان «اختفاء المواسم المسرحية العربية»
عبدالعزيز السريع: المسرح يمرض ولا يموت
أقام المركز الإعلامي لمهرجان الكويت المسرحي الـ١٩ حلقته النقاشية الثانية تحت عنوان «اختفاء المواسم المسرحية في الوطن العربي.. مسؤولية من؟»، وشارك بها العديد من المسرحيين الخليجيين والعرب من ضيوف المهرجان وتصدى لإدارتها الزميل مفرح الشمري رئيس المركز الاعلامي.
في البداية، تحدث الفنان عبدالله ملك حيث شكر المهرجان على دوره الفعال في الحركة المسرحية الخليجية والعربية وقال: المواسم المسرحية موجودة بشكل يختلف عن ذي قبل حيث انها لا تكون بشروط المسرحيين، كما كانت مشاركة فعالة من قبل المسارح الأهلية وتغيرت الآلية وهناك مواسم مسرحية بشروط الموسم نفسه والمؤسسات الخاصة التي تدعم العروض المسرحية والأعمال لم تتأثر بالنمط التجاري ولكن مسيرة بشروط المهرجانات خاصة ان الوقت الحالي من الأعمال المسرحية التي تكون تجارية ومسرحا مفضلا للمهرجانات.
وقال ايضا: كان هناك مسرح تجريبي في البحرين ويوجد عليه إقبال من الجمهور وعرفنا ذلك من خلال مهرجان المسرح التجريبي في مصر، كما كانت أغلب العروض في البحرين نابعة من هاجس الجمهور، حيث ان أغلب الكتاب من البحرينيين ويوجد إقبال والآن تغير الهدف من إقامة المسرحيات التي تعتبر مرآة المجتمع والآن أصبح هدفها إرضاء لجنة التحكيم وحصد الجوائز وإذا ما قدم عمل مسرحي مثل المواسم القديمة فإنه يعتبر تقليديا خاصة ان المسرحي أصبح هو الملوم وليس المسؤول.
أما د.جميلة زقاي فقالت: لا يوجد اسم موسم في الجزائر على المسارح ولا وجود لها في المغرب العربي ونعاني كثيرا من اختفاء هذه الأعمال المسرحية والسبب المباشر هو الأزمة الاقتصادية والمعاناة مع بعض المسؤولين الذي لا يتواصل في استكمال مسيرة من كان قبله، حيث يأتي بأمور مستجدة ولا يتم إنجاز الأمور خاصة ان تلكم المسارح تحتاج الى دعم مادي لأن المسرحي لا يجب ان يتوقف ويكون في عطلة وكيف لنا ان نحافظ على تلك المواسم والتفكير في استراتيجية عربية لتنمية المسرح بمشاركة جميع الدول العربية وإقامة مواسم دولية يقوم عليها أهل الاختصاص كما يؤرقنا ألا توجد بنية تحتية في مجال المسرح.
كما أكدت خلال حديثها ان المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت له إسهامات كبيرة وكذلك أكاديمية الفنون في القاهرة وهذا ما نحتاج إليه ووضعت بعض الاقتراحات عبر الحلول والبدائل لاختفاء المواسم المسرحية.
أما المخرج والمؤلف سامي بلال فقد أكد ان المواسم المسرحية يجب ان تكون مشروع دولة ولا نستطيع ان نفصله عن الحالة الثقافية خاصة ان المسارح الأهلية تتحجج بالميزانية، كما اعتبر ان هناك حالة كسل من الفنان الذي يجب عليه ان يسعى بما يتوافر لديه من إمكانيات وعندها تكون هناك استمرارية في المواسم المسرحية وألا ينحصر دور الفرق المسرحية في المهرجانات فقط، حيث يفترض ان تفعل دورها خلال السنة.
أما د.محمود سعيد فقد نوه إلى أن هناك جهات مختصة مسرحية في مصر وتوجد الأرض الخصبة لإقامة مثل تلك الفعاليات ووجود أعداد كبيرة من مخرجات فنية على اختلاف مسمياتها وأيضا الى وجود مهرجان في كل جامعة، حيث انه من الممكن ان يتم اختيار عمل ذي اهتمام بسيط وطرحه على الجمهور. وتساءل: خلال الندوة هل العرض المسرحي يخدم المهرجان أو العكس خاصة ان توصيات لجان التحكيم لا يتم العمل عليها حتى ان كان هناك مهرجان بعده فإنه تتم إقامته ولا يتم تنفيذ تلك التوصيات.
أما الإعلامي وائل الدمنهوري فقد تساءل: هل الموسم المسرحي مرتبط بالعمل المسرحي او الجمهور؟ خاصة انه لا ينقصنا وجود النص او الممثل ولكن الظروف السياسية حتمت وأثرت على المواسم المسرحية ولا يعتقد ايضا ان المهرجانات قامت بإرجاع الجمهور الى المسرح لأنه يخاطب النخبة فقط.
كما كانت هناك مشاركة من قبل د.سيد علي فقد أوضح ان المسرحيات كانت وسيلة الترفيه الوحيدة في البداية وأتى الانفتاح في المسرح من خلال العمل المسرحي «المجنون» للفنان يوسف وهبي وبدأت من بعده المواسم وتأثر الموسم بظهور عدة عوامل ومنها التلفزيون وهو العدو الأول للمسرح، حيث استطاع وهبي ان يحول المسرحيات الى أفلام على الشاشة، وأكد أن الحلول موجودة ويمكن ان نبدأ بها من الأسرة نفسها في تخصيص يوم للمسرح.
أما الكاتب القدير عبدالعزيز السريع فقد شارك في الندوة قائلا: ربما أكون شاهدا على مراحل معينة من ظهور المسرح في الكويت، وقد تكلمنا مسبقا من خلال توصيات كثيرة، وقد كان هذا الهاجس موجودا منذ وجود الراحل زكي طليمات، حيث قدم المسرح الشعبي موسما مسرحيا عبر 3 عروض ويعاد بناء على طلب الناس وكانت خطوة في ذلك الوقت وبعدها أبدى طليمات ملاحظاته على المسرح الشعبي وعمل محاضرات، وأكد أهمية المسرح المدرسي.
وقال ايضا: لاحظت اننا نشتكي من ظاهرة اختفاء المواسم المسرحية وليس في الوطن العربي بل حتى في الدول العالمية لان الجمهور انصرف عن المسرح، وأود ان أقول ان «الفنون المسرحية» عندما تقدم مواهب في جميع تقنيات المسرح ولكن لا تتم تهيئتهم الى السوق ومتطلباته.
وقال ايضا: المسرح يمرض ولا يموت لأنه بعد الركود يرجع ويتوهج مرة أخرى بتواجد عناصر يكون همها ان يستمر المسرح وأنا لست قلقا من ان المسرح يعيش الركود.
أما الناقد محمد عبدالرسول فقد ألمح الى ان المثقف هو المسؤول الوحيد عن تلك الظاهرة لأنه يجب ان يبتعد عن الفكرة المادية من وراء المسرح لأن وجود المسرح ليس للمادة فقط.
أما د.جمال حماد فقد أكد ان المسرح يعتبر وسيلة إعلامية ويمكن ان تتأثر فعندما تتم سرقة العرض المسرحي وبيعه وهو لم يكمل العرض الثالث فإن ذلك يجلب الخسارة له، وبالتالي تتوقف العروض ولا يتم استكمالها.
أما الناقد ظافر جلود فقد لفت الى العقبة التي واجهت المواسم المسرحية في العراق وهي «ادلجة المسرح» وأصبحت ذات رسالة سياسية، حيث أكد ان هناك وعيا لدى الجمهور، وكان هناك موسم كبير للمسرح في العراق عبر مشاركة جميع الفرق المسرحية، كما أن المسرح أصبح خلال أوقات معينة ينصب لجهة معينة، ومن يتعرض او يخرج عن النطاق يتعرض الى الاعتقال او العقاب، وأدت الظروف المتعاقبة على العراق الى اختفاء المواسم المسرحية، حيث كان العراق في السابق، كما هو معروف يعيش نهضة مسرحية حقيقية.
وقال ايضا: وخلال وجودي في الإمارات وجدت رجلا حمل على عاتقه هذا الهم وبذل جهده وماله لأن يكون المسرح مستمرا في طريقه وطرح رسالته وهو سمو الشيخ سلطان القاسمي وإقامة الفعاليات في الشارقة عبر المهرجان المسرحي الذي يقام بمختلف تفرعاته في إمارة الشارقة، ودعمه اللامحدود للمسرح الإماراتي وايضا في الوطن العربي عبر الهيئة العربية للمسرح وإقامة الفعاليات المسرحية في مختلف العواصم العربية.
أما الناقدة البحرينية زهراء المنصور فقد أكدت على اننا نحتاج الى توجه عام يتم توفيره من خلاله الإمكانيات اللازمة حتى يستمر الحراك المسرحي عبر مواسمه، وعلى المسرحيين ان يقوموا بذلك الحراك.
وبعده شارك المخرج حسن رجب الذي قال: الخطأ ينبع منا كمسرحيين لأننا بعيدون عن الناس، ولغتنا مختلفة، ويجب ان ننزل الى الشارع ونرى لغته لأن المسرح يجب ان يكون متجددا في ظل تطور العالم ومتغيراته.
واختتمت الحلقة النقاشية بمداخلة من د.سعيد كريمي الذي أكد اننا يجب ان نتفاعل مع الواقع والمتغيرات ونبلور الرؤية اللازمة لاستمرار تلك المواسم حتى يكون للمسرح موطئ قدم.