ليلى الشافعي
سجود بعض نجوم كرة القدم بعد احرازهم اهدافا او تحقيقهم انتصارا كرويا اصبح ظاهرة.. بل ان احد المنتخبات سمي بـ «منتخب الساجدين»، ولعل اشهر النجوم مداومة على هذه الظاهرة هو اللاعب محمد صلاح نجم ليفربول الانجليزي ونجم المنتخب المصري الذي يحرص على ذلك بعد كل هدف يسجله في مرمى الخصم، مما لفت احد المهتمين الذي وجه سؤالا للشيخ سالم الطويل حول حكم الشرع في هذا السجود، وهل هو سجود شكر؟ وهل يجوز في لعبة ككرة القدم؟
الشيخ سالم الطويل اجاب عن السؤال بعدم جواز ذلك، وانتشر هذا الرد ووجه بردود فعل شديدة من قبل الكثيرين.
فتوجهنا الى الشيخ سالم الطويل مجددا وسألناه عن هذه «الزوبعة»، فقال: مسألة سجود اللاعبين في ساحات الملاعب من المسائل التي تندر بها بعض الناس، فسخروا بمن افتى بعدم مشروعيته وسبوه وشتموه فوقعوا في منكر عظيم واثم مبين، والحق ان تضخيم هذه المسألة واعطاءها اكبر من حقها وحجمها لا يجوز شرعا، فمن لم يقتنع بالفتوى فهو ليس مجبرا على الاخذ بها.
اما سجود الشكر ذاته فمن المسائل المختلف فيها اصلا بين مذاهب الفقهاء، فمنهم من انكرها ومنهم من قال بكراهيتها ومنهم من قال باستحبابها، وورد فيها حديث او حديثان لكن ليس فيهما وجه دلالة على مشروعية السجود عند كل نعمة تتكرر، فهذا ما لا يمكن للانسان ان يفعله، لأن نِعَم الله تعالى على عباده كثيرة جدا لا تحصى.
فليس من المشروع ولا المعقول ان يسجد الانسان على نعمة النَفس (التنفس) ولا دقات القلب ولا جريان الدم وغير ذلك مما يتكرر في الدقيقة عشرات المرات، وهكذا النعم الخاصة والعامة لا يمكن الاحاطة بها، انما ذكر الفقهاء ان سجود الشكر عند تجدد نعمة كبيرة يبشر بها المسلم او نقمة كبيرة يدفعها الله تعالى عن المسلم، فأين هذا العمل المشروع بالنسبة لتسجيل اللاعب للهدف؟
لقد بدأ بعض اللاعبين من الكفار بالتصليب، فاذا سجل هدفا دق على صدره صليبا، وللاسف قلدهم بعض ابناء المسلمين فأخذوا يسجدون بعد تسجيل كل هدف، وبعضهم يسجدون سجودا جماعيا!
والعجيب الغريب في الامر ان بعض اللاعبين يسجد اذا سجل هدفا، بينما هو لا يصلي الصوات الخمس المفروضة على كل مسلم، وبعضهم يؤخر الصلاة عن وقتها، وبعضهم ليس مسلما اصلا ويسجد تقليدا للاعبه المفضل، فهذا كله يؤكد عبث هؤلاء اللاعبين بالاحكام الشرعية هداهم الله تعالى الى صراطه المستقيم.
سجود الشكر عبادة
من جانبه، يوضح رئيس رابطة علماء الشريعة لدول مجلس التعاون الخليجي والعميد السابق لكلية الشريعة والدراسات الاسلامية د.عجيل النشمي حكم سجود الشكر فيقول: سجود الشكر عبادة، وورد في الحديث الصحيح «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته قد سجد سجدة الشكر وقال: سجدت شكرا»، فيجوز السجود لله شكرا لحدث اخبر به المسلم مفاجئ يسر المسلم او المسلمة، ويشترط لسجود الشكر ما يشترط للعبادة ومنها الوضوء وستر العورة وهذا لا يتحقق للاعب.
واردف: وقد يكون اللاعب متوضئا لكن فخذه مكشوفة، لذا ارى ان الفوز او تحقيق هدف لا يعتبر انتصارا في معركة او نجاحا في اختبار نهائي او شفاء من مرض ونحو ذلك مما يشكر الانسان فيه الله تعالى سجودا.
واشار د.النشمي الى انه على اللاعب الذي فاز ان يكتفي بقول الحمد لله والشكر لله، ونتمنى ان يتوقف اللاعبون عن هذا الفعل رغم احترامنا لمشاعرهم لئلا يصبح عرفا يلتزم به.
تركه أولى
بدوره، يؤكد الشيخ د.ناظم المسباح ان ترك ذلك اولى لأننا في دائرة لعب ولهو ومرح، ويستبدل ذلك بالشكر بالقلب وباللسان والحمد، اما السجود فهو فتح الباب لكل اصحاب الملل لاظهار شعائرهم في الملاعب.
عدم الجواز
ويرى د.سعد العنزي ان السجود لله شكرا عند وجود النعم من السُنّة الثابتة حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا جاءه سرور او بُشِر بشيء سجد لله شاكرا بقدوم هذه النعم، فعند حصول النعم يستحب السجود لله تعالى لحصول تلك النعمة، ولكن ما يحدث في الملاعب فهو ليست نعمة وليس بشرى يسر بها اهل الاسلام، خصوصا اذا كانت في بلاد غير اسلامية ايضا، لذا ما اراه في هذا الخصوص عدم جوازه والله اعلم.
مخالفة شرعية
من ناحيته، يؤكد د.بسام الشطي ان سجود اللاعبين على ارض الملعب لا يجوز لأن صفات وشروط السجود لا تنطبق على اللاعب، وما بني على باطل فهو باطل، واعتبر ذلك مخالفة شرعية يجب التحذير منها، وحصول اللاعب على هدف ليس من تجدد النعمة فيكون بدعة، فاللاعب يكون لاهيا بلعبه ولو سجد اللاهي شكرا لله لتحولت العبادات من تعظيم شعائر الله ومن تقوى القلوب الى هذه الساحات التي لا تليق بذكر الله عز وجل، وقد امر الله تعالى بتوقيره في قوله تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقارا).
واكد د.الشطي ان الملعب ليس موضعا للسجود، ففيه تذاع الاغاني والطرب ولبس ملابس فاضحة، فإذا اراد ان يسجد اللاعب فأين يسجد؟ ولابد للساجد ان يكون متوضئا ويرتدي ملابس محتشمة ومتوجها للقبلة، ولاعبو كرة القدم لا يسترون العورة بزيهم الرياضي ولا يكونون على طهارة ولا يستقبلون القبلة عند سجودهم، لذلك لا يجوز ذلك، كما ان تسجيل الهدف في مباراة كرة القدم ليس نعمة تستحق الشكر اذ لا تعدوا كونها لهوا مباحا، كما ان تلك المباريات تجور على وقت الصلاة وتكشف العورات فهي اذن لا تجوز، وزاد: اذا احرز اللاعب هدفا فإنهم يتراقصون، فلماذا يسجدون؟
أمر مختلف فيه
ويضيف د.محمد الشطي قائلا: في مسألة مختلف فيها ما بين مجيز ومانع، فسجود الشكر مشروع عند جمهور اهل العلم رحمهم الله تعالى وكرهه مالك، والقائلون بالمشروعية يخصونه بالنعم الظاهرة، وزاد بعضهم تخصيصه بالنعم الظاهرة العامة، ولا يسجد لكل نعمة لتعسر ذلك، قال الامام النووي في المجموع: قال الشافعي والاصحاب: سجود الشكر سُنّة عند تجدد نعمة ظاهرة واندفاع نقمة ظاهرة، سواء خصته النعمة والنقمة او عمت المسلمين.
وهل يشترط لسجدة الشكر الطهارة واستقبال القبلة؟
الصحيح انه لا يشترط لسجود الشكر ما يشترط للصلاة من الطهارة وستر العورة ومنه الحجاب للمرأة واستقبال القبلة وغيرها.
وهذا قول كثير من السلف، واختاره بعض المالكية، وكثير من المحققين، كابن جرير الطبري وابن حزم وشيخ الاسلام ابن تيمية وابن القيم والشوكاني والصنعاني ورجحه كثير من مشايخنا، ومنهم: الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز والشيخ محمد بن صالح بن عثيمين والشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن جبرين رحمهم الله، وغيرهم.
وختم بقوله: خلافا لمن اشترط لسجود الشكر ما يشترط للنافلة، وهو مذهب الشافعية، وقال به اكثر الحنابة، وبعض الحنفية، وبعض المالكية، وعليه لا يمانع من سجود الشكر لله عند تسجيل الهدف لما فيه من اظهار النعمة وتشجيع غير المسلمين على السؤال عن هذا الدين بل كانت هذه السجدة سببا في اسلام الكثير ممن لا يدينون بغير دين الاسلام. والله أعلى واعلم.
من أجمل المواقف
أما الشيخ يوسف السويلم فيختلف في الرأي، مؤكدا ان السجود عند الهدف والتسجيل في الملاعب امر من اروع الامور التي تبين تعلق الانسان بربه ومن اجمل المواقف التي تبين للعالم اسمى المبادئ الانسانية انه عبد لرب العالمين واظهار الذل والخضوع لله سبحانه وهي دعوة لجمهور غفير يشاهد من الكفار والمسلمين اننا مهما كنا ومهما فعلنا ولهونا فإننا بين يدي عظيم يجب ألا ننساه، واننا في هذا العالم نقطة متناهية الصغر بل ذرة في عالمه الواسع الفسيح الذي لا يدرك منتهاه الا هو سبحانه وتعالى.
وتابع: والامر الثاني انتقاد مثل هذه المواقف دليل على ضياع الاولويات وفقدان لاتجاه البوصلة في البناء وافتعال معارك وهمية لا فائدة منها مع السعي وراء جزئيات وتعظيمها وترك لكليات واهمالها في وقت تحتاج الامة لبيان الاولويات والنظر الى الكليات ومعالجتها.