عقاب المكذبين
يقول الله عز وجل: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) الكافر مهما تعزز بجنده وماله وأوليائه يوم القيامة فلن يجد من ينصره لأن الله هو الولي وهو الناصر، فيا من تجرأ على المعاصي لا تحسب أن الله غافل عنك أو أنكم معجزون الله في الأرض ولا في السماء فلا تغرنكم قدرتكم وما زينت لكم أنفسكم من النجاة من عذاب الله فلستم بمعجزين الله في جميع أقطار العالم.
الذين زال عنهم الخير
يخبر الله عز وجل عمن هم الذين زال عنهم الخير وحصل لهم الشر، هم في عذاب نفسي وعذاب جسدي، فهذا خيارهم ومصيرهم، هؤلاء ليس لهم مطمع من رحمة الله عندما يشاهدون النار، هؤلاء الذين كفروا بالله وبرسله وكذبوا بلقاء الله، لم يعملوا سببا يحصلون به على الرحمة (والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم) عذاب مؤلم موجع، وكأن هذه الآيات معترضات بين كلام إبراهيم لقومه وردهم عليه.
شر جواب
(فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حَرِّقُوه.. الآية)، يريدون التخلص منه نهائيا بل يريدون به أشنع القتلات، القتل أو الحرق يريدون ان يعذبوه.
هذا جواب قوم إبراهيم لإبراهيم حين دعاهم ونصحهم بالاهتداء (فأنجاه الله) من النار و(الفاء) جاءت للتعقيب، جاءت سريعة، فنرى ان قصة إبراهيم عجيبة ان تتغير طبيعة النار المحرقة الى برد وسلام، فلا شيء يعجز الله عز وجل.
لا أحد ينصركم من عذاب الله
(وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا.. الآية) مازال الحوار معهم، يدعوهم إبراهيم عليه السلام وينصحهم، أي غاية ذلك مودة في الدنيا ستنقطع الا علاقة المتقين.
لابد حبيباتي ان تكون محبتي قائمة على المحبة لله تعالى وعلى تقوى الله، ونلاحظ ان دعوة إبراهيم عليه السلام لم تلق لها مجيبا إلا نفرا قليلا، فهو مستمر في دعوة قومه وهم مستمرون في عناده.
(فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم).
لم يزل إبراهيم عليه السلام يدعو قومه وهم مستمرون في عناده، إلا أنه آمن بدعوته لوط، وقال إبراهيم إني مهاجر من أرض السوء إلى الأرض المباركة وهي أرض الشام، وكانت هجرة إبراهيم أول هجرة، ولم يبق في الأرض إلا الأشرار.
أعظم المناقب
(ووهبنا له إسحاق ويعقوب) بعدما هاجر إلى الشام (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب) فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته ولا نزل كتاب إلا على ذريته حتى ختموا بابنه محمد صلى الله عليه وسلم وهذا من أعظم المناقب ان تكون الهداية والرحمة والسعادة والفلاح في ذريته وعلى أيديهم اهتدى المهتدون وآمن المؤمنون (وآتيناه أجره في الدنيا) من الرزق الواسع والزوجة الجميلة والأولاد ومعرفة الله ومحبته، فجمع بين سعادتي الدنيا والآخرة.
وجعل الله الكتب المباركة في ذرية إبراهيم وختم بالقرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم.
منكرات عظيمة
بعد الابتلاءات العديدة على إبراهيم عليه السلام يخبرنا الله عزّ وجلّ عن هؤلاء الذين انقلبت فطرتهم فجعلوا شهواتهم في المنكر وجمعوا بين الفاحشة في الذكور وقطع السبيل فنصحهم لوط عليه السلام وقد واجه مجتمعا بأكمله يمارسون الفاحشة فيئس منهم نبيهم وعلم باستحقاقهم العذاب فدعا عليهم وقال (قال ربّ انصرني على القوم المفسدين) فاستجاب الله دعاءه وأرسل الملائكة لإهلاكهم، وهي مشاهد سريعة الغرض منها بيان سنة الابتلاء.
وقد مر الملائكة بإبراهيم قبل ذلك وبشروه بإسحق ومن ورائه يعقوب ثم سألهم إبراهيم ماذا يريدون؟ فأخبروه بأنهم يريدون اهلاك قوم لوط فقال لهم: (إن فيها لوطا) فقالوا له: (لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) وعندما ذهبوا الى لوط ضاق بهم ذرعا من الخوف عليهم من قومه لأنه ظن انهم ضيوف، فقالوا له: لا تخف وأخبروه انهم رسل الله وأمروه ان يسري بأهله ليلا، فلما اصبح القوم قلب الله عليهم ديارهم فجعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة متتابعة حتى أبادتهم وأهلكتهم فأصبحوا عبرة، فعليك ايها الانسان ان تسترجع تاريخك البشري حتى لا تتكرر اخطاؤك وهذه الآيات يستفيد منها اصحاب العقول (لقوم يعقلون) يعقلون العبر وينتفعون بها.
سورة العنكبوت نزلت في وقت كان المسلمون يتعرضون في مكة لأقسى أنواع الفتن والمحن والشدة.
لماذا سميت العنكبوت؟
لأن الله عزّ وجلّ ضرب لنا مثلا بها يدلنا على انه مثلما تتشابك وتتعدد خيوط العنكبوت كذلك الفتن في الحياة متعددة ومتشابكة، لكن اذا استعان العبد بالله فإن هذه الفتن كلها تصبح واهية كبيت العنكبوت تماما.
ألقيت المحاضرة في مسجد
فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء.