المنهج والمعجزة
(وإنما أنا نذير مبين)، نذير أبين لكم الحق بالدلالات الواضحة، هذه هي مهمتي لكن أن آتي بآيات تطلبونها وتريدون أن تكون وفق هواكم وعلى مرادكم فلا، هذا ليس بيدي هذا بيد الله عز وجل، اذا أراد أجاب وإذا أراد منع سبحانه وتعالى، يعجب الله عز وجل: أي آيات يريدون؟ كل نبي قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أُرسل بأمرين، منهج ومعجزة، وكان في كل الرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، المنهج يأتي بكتاب كما جاء في التوراة على لسان موسى عليه السلام، والمعجزة منفصلة كما تعلمون، حفظكم الله، عصا موسى وشق البحر وفلقه ويده الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام والمعجزات التي جاءت على يده فكان المنهج منفصلا عن المعجزة، وكذلك من بعده عيسى عليه السلام، جاء الإنجيل فيه المنهج وفيه شريعة الله عز وجل، وجاءت المعجزات منفصلة عن هذا المنهج فأحيا الميت بإذن الله وأبرأ الأكمه والأبرص والأعمى بإذن الله، كلها آيات عظيمات، ويخبرهم بما يدخرون في بيوتهم، آيات أجراها الله عز وجل على يد عيسى عليه السلام، أما نبينا صلى الله عليه وسلم فإن الله جمع له الأمرين: المنهج والمعجزة فكان القرآن شريعة الله وكان القرآن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الكتاب المهيمن
(أولم يكفهم)، نظرة واحدة بحيادية وبصدق الى هذا الكتاب ترى أنه حق، الله سبحانه وتعالى أدخل (ال) التي تفيد العهد وتفيد الاستغراق، هذا الكتاب الذي هيمن على كل ما قبله هو أشرف الكتب، يتلى عليهم هذا الكتاب كاف بحد ذاته عند سماعه أن تؤمن بالذي أنزله لأنه يحمل الآيات العجيبة، والله من الأجانب من أسلم فقط لأنه سمع القرآن ولم يفهم معانيه، لكن يقول ما تقول أنت الآن والذي قلته أبكى عينيه وشرح صدره، فما بالكم اذا فقه المعنى وعلم بما فيه ولذلك الله تعالى يقول (إنما يخشى الله من عباده العلماء) لأن العالم يرى الحق ويعرفه والله تعالى يقول: كيف تطلبون معجزة؟ يخاطب قريشا يقول كيف تطلبون آية وأعظم الآيات بين أيديكم؟ فالقرآن جاء معجزا لهم بما كانوا هم أنفسهم يفتخرون به.
القرآن رحمة
يقول سبحانه وتعالى: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ان في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون)، هذا القرآن رحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة وهو سبحانه جعل في هذا القرآن ذكرى وتذكرة للمؤمن يثبته على دينه، كما مر بنا في هذه السورة المباركة التي كان مدارها أن الابتلاء من سنن الله في هذا الكون وأن النصر لعباده المؤمنين، ذكرنا الله عز وجل في آياته الكريمة بقصص الأنبياء، لكنها جاءت طرقات متسارعة لم تكن مبسوطة كما في الآيات الأخرى، لكن دعوة النبي لقومه ثم تكذيبهم ونصر الله عز وجل لنبيه وإهلاكهم، طرقات سريعة حتى يبين الله تعالى لك ويختصر الزمن أيها المؤمن حتى ترى أن الابتلاء إذا ثبت الإنسان على عهده بالله يأتي بعده نصر الله والفرج، وهكذا القرآن ذكرى لك في كل شيء ولا تطلب شيئا إلا تجده في هذا القرآن، وهو رحمة اذا قرأت القرآن تتنزل عليك الرحمة ويثيبك الله عز وجل الأجر الجليل بالعمل القليل، وهو حبل الله الموصول والعروة الوثقى فإنه فضل عظيم.
إيمان متجدد
(يؤمنون)، يؤمنون بالله سبحانه وتعالى كأنه يخبرنا أن هؤلاء يجددون العهد مع الله، إيمانهم متجدد لأنه جاء عز وجل بلفظ المضارعة بالفعل المضارع يؤمنون، لم يقل آمنوا، ولكن هذا الإيمان مازال متجددا مستمرا هم على صلة بالله عز وجل يتلون ذكر الله ويقيمون الصلاة ومتصلون بالله عز وجل ومتذكرون وذاكرون لكتاب الله.
فهذا الإيمان متجدد لأن الإيمان كما تعلمون يزيد وينقص، لكن هؤلاء القرآن ذكرى لهم ينتفعون به بتجديد إيمانهم كلما قرأوه وكلما تذكروا ما فيه واعتبروا بالنظر في آياته والعمل بأحكامه.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء