- أولوية «المركزي» الرئيسية.. الحفاظ على جاذبية وتنافسية الدينار الكويتي كوعاء للمدخرات
- الكويت بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد لإصلاح بيئة الأعمال لجعل القطاع الخاص قاطرة للنمو
أحمد مغربي
يبدو السوق الكويتي بعيدا نسبيا عن تأثيرات التذبذبات في الأسواق العالمية والتحديات الاقتصادية التي يعيشها أكبر الاقتصادات العالمية بسبب الحرب التجارية الدائرة بين اكبر اقتصادين في العالم، وهناك بعض المؤشرات الإيجابية التي أعطت السوق الكويتي هذه الاريحية في ظل الوضع الإقتصادي العالمي المتأزم، التي يتخوف أن تتحول الى ركود، وعلى رأس هذه المؤشرات ما اتخذه بنك الكويت المركزي من سياسات نقدية استباقية للحؤول دون تأثر القطاع المصرفي الكويتي، الذي يعتبر ركيزة القطاع الخاص، من تداعيات الاقتصادات العالمية.
وتعيش البنوك الكويتية الآن في ظل مؤشرات قوية وتظهر ذلك من خلال بيانات القطاع المالية المتمثلة في جودة الأصول ومعايير كفاءة رأس المال والرفع المالي والسيولة، فضلا عن معدل الربحية الذي يؤكده التطور المستمر في أرباح البنوك عاما تلو الآخر.
على الرغم من سلامة الأوضاع النقدية والمصرفية الآن، إلا أن «المركزي» له وجهة نظر مختلفة وسبق أن أضاء اليها في أكثر من اجتماع مع السلطتين (التنفيذية والتشريعية)، تتمثل في ان استمرار تفاقم تداعيات مستجدات الأوضاع الاقتصادية في المرحلة القادمة في ظل غياب التحرك المؤثر لاحتواء تلك التداعيات يضع المزيد من الضغوط على قدرة البنك المركزي للقيام بمهامه وتحقيق أهدافه على أكمل وجه.
وكان «المركزي» دق ناقوس الخطر أكثر من مرة بوجود تحديات هيكلية ملحة تواجه الاقتصاد الكويتي تتمثل في الاعتماد الكبير والمستمر على النفط لتوليد الدخل والدور المتسع للحكومة في النشاط الاقتصادي وتركز معظم قوة العمل الوطنية في القطاع الحكومي والتراجع المستمر لمتوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي، ناصحا الحكومة ببذل المزيد من الجهد لإصلاح بيئة الاعمال لجعل القطاع الخاص قاطرة للنمو.
وهناك تخوف الآن من هبوط أسعار النفط في حال حصل ركود في الاقتصادات العالمية وهو ما سيؤثر تلقائيا على الإيرادات العامة ويحدث تراجعا في الانفاق الحكومي المعتمد أساسا على التدفقات النقدية الآتية من مبيعات النفط، في وقت لا توجد خطة لدرء هذا الخطر على الاقتصاد الكلي.
تخطي الأزمات
وفي جردة حساب خلال السنوات العشر الماضية لما فعله «المركزي» في درء مخاطر الأزمات المالية العالمية على القطاع المصرفي ومن خلفه القطاع الخاص، فإن لـ«المركزي» دور فعال، وذلك في ضوء السياسات النقدية والرقابية الحصيفة التي طبقها في مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في 2008، حيث استطاع القطاع المصرفي تخطى هذه الأزمة دون أي خطط لإنقاذ مالي في الوقت الذي تكبدت فيها العديد من دول العالم الاخرى تكاليف مالية عالية لإنقاذ مصارفها وكانت تكاليف الانقاذ باهظة أرهقت موازناتها العامة وانعكس ذلك سلبا على الحياة المعيشية لمواطنيها.
وكذلك فإن السياسات الحصيفة التي طبقها البنك المركزي في مجال تحصين القطاع المصرفي قد مكنت المصارف المحلية من مواجهة انعكاسات التراجع الحاد الذي شهدته أسعار النفط العالمية ابتداء من النصف الثاني من عام 2014، حيث دخلت البنوك الكويتية حقبة التراجع في الاسعار من موقع قوة توفر لها في ضوء السياسات التي استهدفت تحصين القطاع المصرفي والاستمرار بدورها في خدمة الاقتصاد الوطني بكفاءة عالية، بل استطاع القطاع بفضل قوة ادائه ان يلعب دورا مهما في المساهمة في تمويل عجز الموازنة العامة للدولة.
الهاشل.. العقل المدبر
وتسلط «الأنباء» الضوء على فريق بنك الكويت المركزي، حيث يتقلد د.محمد الهاشل منصب محافظ بنك الكويت المركزي ويتألف مجلس إدارة البنك برئاسته، ويتألف مجلس الادارة من يوسف العبيد نائبا وعضوية كل من وكيل وزارة المالية صالح الصرعاوي ووكيل وزارة التجارة عبدالله العفاسي بالإضافة الى عضوية 4 شخصيات من ذوي الخبرة في الشؤون الاقتصادية والعلوم المالية والمصرفية، يتم تعيينهم بمرسوم أميري لفترة 3 سنوات قابلة للتجديد وهم ناصر الروضان وأسامة النصف ومصطفى الشمالي وأحمد يوسف الصقر.
ويضطلع «المركزي» بدور مهم وحيوي في رسم وتنفيذ السياسة النقدية التي تستهدف الاستقرار النقدي في البلاد وتتمثل أهم أدوات وأهداف السياسة النقدية التي يستخدمها للمحافظة على سياسة سعر الصرف وسياسة سعر الفائدة وعمليات التدخل في السوق النقدي لتنظيم مستويات السيولة في القطاع المصرفي بهدف تحقيق الاستقرار في هيكل أسعار الفائدة والاستقرار في السوق النقدي.
وتشمل صلاحيات مجلس الإدارة على رسم سياسة «المركزي» النقدية والائتمانية وتقرير الأمور المتعلقة بإصدار النقد وتداوله وسحبه من التداول وتقرير نظام خصم وإعادة خصم الأوراق التجارية ومنح القروض والسلف وتحديد الضمانات المطلوبة وتحديد معدل الخصم وإعادة الخصم والفوائد والعملات التي يتقاضاها البنك عن القروض والسلف وخصم الأوراق التجارية بالإضافة الى اتخاذ القرارات المتعلقة بالأمور التنظيمية والرقابية الخاصة بالأنشطة المصرفية.
ونجح الهاشل في الحفاظ على الاقتصاد الكويتي والقطاع المصرفي خلال السنوات الماضية رغم الأزمة الحادة التي ضربت أسعار النفط نهاية 2014 وأفقدت توازن الاقتصاد الكويتي الذي يعتمد على النفط كمصدر وحيد للدخل وانعكاسات ذلك على سياسات الانفاق العام وحركة تدفق الأموال ومعدلات النمو الاقتصادي غير النفطي والتحديات المتعلقة بتمويل عجز الموازنة العامة.
إشادات عالمية.. ولكن
ولعل الإشادة التي حظي بها بنك الكويت المركزي من قبل خبراء صندوق النقد الدولي حول قوة القطاع المصرفي الكويتي لخير دليل على الإشراف الحصيف، ناهيك عن سياسة سعر الصرف الملائمة والداعمة للاستقرار النقدي والحدود القصوى للتمويل (التركيز الائتماني، تمويل الأسهم، العقار، الأطراف ذات الصلة) وحوكمة الشركات.
كما أن وكالات التصنيف الائتمانية العالمية قد أشادت بحصافة الدور الرقابي لبنك الكويت المركزي ومتانة القطاع المصرفي، حيث أشادت وكالة فيتش في آخر تقرير لها على تطبيق «المركزي» نظام صارم وفرض مراقبة قوية لضمان استمرار قوة القطاع المصرفي من خلال الالتزام بالضوابط الاحترازية.
وأمام تلك الاشادات العالمية بقوة النظام المصرفي وحصافة البنك المركزي فإن التهديدات الاقتصادية الدائرة حاليا بسبب الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأميركية والصين التي بدأت تنعكس سلبا على أداء مؤشرات أسهم الأسواق التي بدأت تتغير بتقلب مزاج الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فعندما يهدد الأخير الصين بفرض المزيد من الرسوم الجمركية، تهبط الأسهم الكويتية والخليجية، لتعود للتعافي من جديد مع جرعات الأمل التي يعطيها سيد البيت الأبيض أحيانا حول إمكانية الوصول إلى اتفاق مع العملاق الصيني، وبالتالي انتهاء الحرب التجارية بين الجانبين. ويخضع النظام المصرفي للتنظيم الحصيف، إذ كان بنك الكويت المركزي سباقا في تعزيز الإشراف والرقابة التنظيمية، حيث تعمل البنوك المحلية وفقا لضوابط بازل 3 لرأس المال والسيولة والرفع المالي، كما يطبق «المركزي» مجموعة شاملة من التدابير التحوطية الكلية للحد من المخاطر النظامية، ويعمل «المركزي» بشكل متواصل على مراجعة سياسته التحوطية الكلية وأدواتها للمحافظة على التوازن بين استباق تراكم المخاطر وضبط نمو الائتمان.
وعلى صعيد البنوك المحلية فإنها تتميز بالقدرة على التكيف مع مختلف سيناريوهات اختبارات الضغط بما في ذلك صدمات تطول الائتمان والسيولة والسوق.
السياسة النقدية
وعلى صعيد سياسة سعر الصرف يواصل «المركزي» تبني السياسات الرامية الى تكريس الاستقرار النسبي لسعر صرف الدينار الكويتي مقابل العملات الاجنبية الرئيسية بوما يساهم في الحد من الضغوط التضخمية المستوردة، وذلك في نظام المعمول به منذ مايو 2007 والقائم على ربط سعر صرف الدينار بسلة خاصة وموزونة من عملات الدول التي ترتبط بعلاقات تجارية ومالية مؤثرة مع الكويت، وقد استطاع «المركزي» خلال هذه الفترة من إدارة سياسة سعر الصرف وفقا لنظام سلة العملات بكفاءة عالية وبما حقق الاستقرار النسبي لسعر صرف الدينار والمحافظة على قوته الشرائية.
ويتضح أداء سياسة سعر الصرف والاستقرار النسبة للقوة الشرائية للدينار في حركة التغير في الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك (معبرا عنه بمعدل التضخم)، حيث تباطأت معدلات التضخم السنوية من أعلى مستوياتها عند 4.8% في 2011 إلى أدنى مستوياتها ولأقل من 1% في 2018، وهذا الأمر حافظ على جاذبية وتنافسية الدينار الكويتي كوعاء للمدخرات.
سعر الفائدة
أما على مستوى سياسة سعر الفائدة فإن جهود «المركزي» تركزت خلال السنوات الأخيرة على متابعة التطورات واتجاهات مستويات أسعار الفائدة الحالية على الدينار الكويتي والتحرك السريع عند الحاجة لضمان اتساقها مع التطورات الاقتصادية والنقدية والصرفية المحلية من جهة واتجاهات أسعار الفائدة على العملات العالمية الرئيسية من جهة أخرى.
ومن هذا المنطلق، وفي أعقاب قيام المجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة على الدولار الأميركي 9 مرات منذ ديسمبر 2015 وحتى ديسمبر 2018، قام بنك الكويت المركزي برفع سعر الخصم 4 مرات فقط وبواقع ربع نقطة مئوية في كل مرة وبدون مجاراة المجلس الاحتياطي في 5 مرات أخرى، وكانت المرة الرابعة التي رفع بها بنك الكويت المركزي سعر الخصم بتاريخ 22 مارس 2018 حيث تم رفع سعر الخصم الى 3%.
وخفض المركزي الاميركي للمرة الاولى منذ 2008 أسعار الفائدة بربع نقطة لتصبح بين 2% و2.25% وذلك في 31 يونيو 2019، وعاكسه في ذلك «المركزي» الكويتي بتثبيت سعر الخصم.
الإشراف والرقابة المصرفية
وتنطلق سياسات بنك الكويت المركزي في مجال الاشراف والرقابة المصرفية من الدور المنوط بالبنك في مراقبة الجهاز المصرفي وضمن منظومة رقابية تستهدف تحصين القطاع المصرفي باستخدام أدوات الرقابة الجزئية التي تستهدف سلامة الأوضاع المالية للبنوك منفردة بالإضافة الى أدوات الرقابة الكلية الموجهة للحد من المخاطر النظامية والمحافظة على الاستقرار المالي، ولتحقيق ذلك تم تنفيذ التالي:
1 - طبق في يونيو 2014 المعيار المعدل لكفاية رأس المال بازل 3، بوما ينطوي عليه هذا المعيار من مصدات مالية تحوطية لمواجهة الدورات الاقتصادية بالإضافة الى نسب رأسمال إضافية للبنوك.
2 - في أكتوبر 2014 تم تطبيق معيار الرفع المالي وهو معيار داعم لمعيار كفاية رأس المال حيث يضع حدودا دنيا لنسبة رأس المال الأساسي قياسا بمجموع الاصول داخل وخارج الميزانية.
3 - في أكتوبر 2015 تم تطبيق معيار صافي التمويل المستقر الذي يستهدف تعزيز مصادر التمويل المستقرة للبنوك.
ومع تطبيق تلك المعايير فإن الكويت في طليعة الدول التي طبقت حزمة إصلاحات بازل 3.
وفي إطار سياسات التحوط الكلي التي ينتهجها «المركزي» فإنه تم توجيه البنوك نحو تدعيم قواعدها الرأسمالية بالإضافة الى تبني سياسة المخصصات الاحترازية، وقد انعكست هذه الاجراءات إيجابا في تحسين نسبة القروض غير المنتظمة التي تراجعت بشكل كبير الى مستويات متدنية تاريخيا، حيث وصلت الى نحو 1.6% في ديسمبر 2018 بعد ان كانت هذه النسبة قد بلغت نحو 11% في أعقاب الأزمة المالية العالمية.
وتكنولوجياً استمرت جهود «المركزي» في مجال تحديث وتطوير البنية التحتية لتقنية المعلومات بما يواكب تطور عملياته المصرفية وسياساته الرقابية والإشرافية ومستجدات الانظمة الآلية المصرفية في القطاع المصرفي والمالي الكويتي وبما يتماشى مع احدث التطورات العالمية في هذا المجال، حيث تم تطبيق نظام التراسل الالكتروني الحكومي (G2G) وجاء ذلك تماشيا مع جهود الكويت للتحول الى الحكومة الالكترونية.
منظومة تحوطية متكاملة
في ضوء ما يوليه بنك الكويت المركزي من أهمية للقروض الاستهلاكية والإسكانية، وبناء على ما يقوم به من دراسات بشأن متابعة التطورات في ظل المتغيرات الاقتصادية والنقدية، أصدر بنك الكويت المركزي في نوفمبر 2018 تعليمات في شأن قواعد وأسس منح القروض وعمليات التمويل الشخصي للأغراض الاستهلاكية والإسكانية وإصدار البطاقات الائتمانية، حيث تم بموجبها إدخال
مجموعة من التعديلات الجوهرية تمثلت أساسا في زيادة مبلغ القرض الاستهلاكي الذي يمنح للعميل بما لا يتجاوز 25 ضعف صافي الراتب الشهري وبحد أقصى 25 ألف دينار كويتي ولا يدخل ضمن الحد الأقصى للقرض الاسكاني الذي يبلغ 70 ألف دينار.
وتشكل هذه الضوابط بالإضافة إلى ضوابط القروض الاستهلاكية والإسكانية منظومة متكاملة في إطار السياسات التحوطية الموجهة للحد من المخاطر النظامية.
الحوكمة وإدارة المخاطر
يولي بنك الكويت المركزي أهمية خاصة لمتطلبات الحوكمة وإدارة المخاطر أخذا في الحسبان ما كشفت عنه الأزمة المالية العالمية من ان أوجه الضعف والقصور في معايير الحوكمة وادارة المخاطر كانت من العوامل الاساسية التي تضافرت مع عوامل اخرى وأدت الى نشوء تلكم الازمة، وعليه قام «المركزي» بإصدار مجموعة من التعليمات كالتالي:
1 - في يونيو 2012 تم اصدار تعليمات بشأن قواعد ونظم الحوكمة استرشادا بالمعايير الصادرة بعد الازمة المالية العالمية.
2 - وفي ديسمبر 2016 تم اصدار تعليمات بشأن حوكمة الرقابة الشرعية في البنوك الاسلامية مع تبني تطبيق معايير الحوكمة السليمة في مجال تقنية المعلومات.
3 - تبني منهجية التفتيش بأسلوب الرقابة على المخاطر من خلال اختبارات الضغط المالي والتقييم الداخلي لكفاية رأس المال بصفة نصف سنوية.
4 - اجراء دوري لتقييم اداء البنوك في اطار المخاطر ومؤشرات الكفاءة والربحية لاتخاذ اجراءات استباقية في اطار سياسات تحوط كلي موجهة للمحافظة على الاستقرار المالي.
مستشار مالي وبنك للحكومة
يقدم بنك الكويت المركزي المشورة المالية للحكومة حيث بادر في أكثر من مناسبة إلى تقديم الدراسات والتوصيات للحكومة التي تبين طبيعة وحجم الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد الكويتي والحاجة الملحة لتلك الاصلاحات وسبل معالجتها على المديين القصير والطويل، وقام البنك بتقديم وجهة نظره ومرئياته في العديد من مشروعات القوانين والاقتراحات بقوانين المقدمة من أعضاء مجلس الأمة والمتعلقة بالشؤون الاقتصادية والمالية والنقدية والمصرفية.
وفي اطار تنفيذ مهام وظيفة «بنك الحكومة» تودع لدى بنك الكويت المركزي أموال الحكومة بالدينار الكويتي ويؤدي بصورة عامة العمليات والخدمات المصرفية الخاصة بالحكومة دون أجر داخل البلاد وخارجها ويقوم «المركزي» بتنفيذ تلك المهام الوظيفية بكفاءة عالية.