يقول الله عز وجل مبينا شبهات الكافرين (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، قال المكذبون بالبعث المشركون مستبعدين الإعادة: إذا صارت لحومنا وعظامنا ترابا في الأرض أنبعث خلقا جديدا؟ فهم في ظلم وعناد لأنهم بلقاء ربهم يوم القيامة كافرون، فحركة البعث أمام أعينهم ولكنهم ينكرونها، ينكرون أن الإنسان محاسب على عمله.
الحجة الدامغة
(قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) يلقن الله تعالى نبيه الحجة الدامغة ويقول: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: يتوفاكم ملك الموت الذي وُكِّل بكم فيقبض أرواحكم إذا انتهت آجالكم ولن تتأخروا لحظة واحدة ثم تردون إلى ربكم فيجازيكم على جميع أعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
أمر عظيم
(وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا .. الآية) ترى المجرمين الذين أنكروا البعث قد خفضوا رؤوسهم عند ربهم من الحياء والخجل والخزي والعار، قائلين: ربنا أبصرنا الحقيقة فأرجعنا الى هذه الدنيا، وحتى لو رجعوا للدنيا فلن يعملوا صالحا لأنهم اختاروا الكبر والعناد.
(وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، يخاطبنا الله بنون العظمة، ولو شئنا لآتينا هؤلاء المشركين بالله رشدهم وتوفيقهم للإيمان، ولكن حق القول مني ووجب لأملأن جهنم من أهل الكفر والمعاصي من الجنة والناس أجمعين، وذلك لاختيارهم الضلالة على الهدى، وتكبروا على طاعة الله حتى نسوه.
الجزاء من جنس العمل
يقال لهؤلاء المشركين عند دخولهم النار: فذوقوا العذاب بسبب غفلتكم عن الآخرة وانغماسكم في لذائذ الدنيا، فالله تعالى عدل ليس بظلام للعبيد، فذوقوا اليوم عذاب جهنم الذي لا ينقطع بما كنتم تعملون في الدنيا من الكفر بالله ومعاصيه.
صفات المؤمنين
(إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ )، صفة جميلة للمسارعة للإيمان والمسارعة في الطاعة يصدقون بآيات القرآن ويعملون بها، الذين إذا وعظوا بها أو تُليت عليهم سجدوا لربهم خاشعين مطيعين وسبحوا لله في سجودهم بحمده وهم لا يستكبرون عن السجود والتسبيح له وعبادته وحده لا شريك له.
لذة العبادة
(تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون) مدح الله عز وجل الذين يقيمون الليل وترتفع جنوبهم عن فراش النوم يتهجدون لربهم في صلاة الليل، يدعونه خوفا من العذاب وطمعا في الثواب ومما رزقناهم ينفقون في طاعة الله وفي سبيله، أي ينفقون في أوجه الخير.
تشويق إلهي
(فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فلا تعلم نفس ما ادخر الله لهؤلاء المؤمنين مما تقر به العين وينشرح له الصدر جزاء لهم على أعمالهم الصالحة، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.
اختر طريقك
(أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ)، هل يمكن أن يكون الخارج عن طاعة الله وطاعة رسوله مثل من كفر بالله ورسله وكذب باليوم الآخر؟ لا يستوون عند الله.
سكينة في القلب
(أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النزل في اللغة هو مكان الضيافة، والعرب أفضل ما تكون في ضيافتها، فما بالك بالله. فالذين آمنوا بالله وعملوا بما أمروا به فجزاؤهم جنات يأوون إليها ويقيمون في نعيمها ضيافة لهم، وجزاء لهم بما كانوا يعملون في الدنيا بطاعته.
زيادة في الألم
(وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا .. الآية).
وأما الذين خرجوا عن طاعة الله فمستقرهم جهنم، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم توبيخا وتقريعا: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون في الدنيا.
(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) هؤلاء الفاسقون المكذبون لنذيقنهم من العذاب الأدنى من البلاء والمحن والمصائب في الدنيا قبل العذاب الأكبر يوم القيامة حتى يعذبوا في نار جهنم لعلهم يرجعون ويتوبون من ذنوبهم.
أشد الظلم
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ)، غاية الظلم ان يُذكَّر الإنسان بدلائل ربه فيكذب بها ويعرض عنها ولا يتعظ، ولكنه استكبر عنها، إنا من المجرمين الذين أعرضوا عن آيات الله وحججه ولم ينتفعوا بها منتقمون.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بالشهداء