يجري السياسيون العراقيون جولة مفاوضات على أمل التوصل لاتفاق على تشكيل حكومة جديدة، فيما تتواصل الاحتجاجات المناهضة للسلطة القائمة والنفوذ الإيراني فيها، داعين إلى تغيير كامل الطبقة السياسية.
وبدأت الأحزاب السياسية، حتى قبل أن يعلن البرلمان موافقته رسميا على استقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي وحكومته الأحد، اجتماعات و«لقاءات متواصلة» لبحث المرحلة المقبلة في البلاد، حسبما اكد مصدر سياسي رفيع لوكالة فرانس برس.
وعلى البرلمان، الذي تعرض لشلل هو الأطول في تاريخ العراق الحديث، التوصل إلى اتفاق على تشكيل حكومة تضمن توازن القوى وموافقة جميع الأطراف السياسية. وفيما يتعلق بالجارة الإيرانية صاحبة النفوذ الكبير في العراق، فإنها «لن تستسلم بسهولة»، بحسب ما يرى المحلل المختص بشؤون العراق حارث حسن.
وبالمقابل، هناك المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني، الذي دفع باتجاه سحب الثقة من عادل عبد المهدي، والمجتمع الدولي الذي أعرب عن إدانته للقمع الذي قوبلت به الاحتجاجات وخلف أكثر من 420 قتيلا، بالإضافة إلى ضغط الشارع.
بعد شهرين من أول حركة احتجاجات عفوية انطلقت في بغداد ومدن جنوب العراق، ولدت القناعة لدى الكوادر السياسية العليا في البلاد، بأن «التظاهرات أقوى من التدخل الأجنبي».
في غضون ذلك، يواصل محتجون تأكيد مطالبهم في بغداد ومدن متفرقة في جنوب البلاد بينها الحلة والكوت، والنجف المقدسة لدى الشيعة التي تعيش وسط موجة عنف تخللها إحراق القنصلية الإيرانية للمرة الثانية خلال اسبوع.
واستمرت الاشتباكات ليلة امس الاول عند قبر محمد باقر الحكيم، أحد رجال الشيعة البارزين، على بعد مئات الامتار من ساحة التظاهر الواقعة في وسط النجف، وأطلق مسلحون يرتدون ملابس مدنية الرصاص على متظاهرين قاموا بحرق قسم من المبنى.
وتدخل زعماء عشائر خلال فترة هدوء صباح امس لوقف المواجهات، لكنهم لم يستطيعوا الوصول لاتفاق للخروج بحل لهذه الازمة.
وفي الناصرية، عاصمة محافظة ذي قار، مازال المحتجون يحتشدون، مطالبين كما هو حال الاحتجاجات في البلاد، بـ«إقالة النظام» السياسي الذي يتهمونه بالفساد والفشل في تقديم إصلاحات لتحسين اوضاع مدينتهم، التي تعاني أكثر من غيرها من تردي البنى التحتية.
وتصاعدت مطالب المحتجين الذين مازالوا يسيطرون على ساحات التظاهر بعد استقالة حكومة عبد المهدي الى مرحلة جديدة تركز على هوية رئيس الوزراء المقبل ومحاكمة القيادات المتورطة بقتل المتظاهرين. ولا توجد حاليا جهة يمكن أن تمثل المتظاهرين او تكون ناطقة باسمهم لبيان طبيعة مطالبهم الجديدة بعد استقالة الحكومة الا ان حديث المحتجين في ساحات الاعتصام في بغداد ومحافظات اخرى ربما يكون متطابقا فيما يخص توجهاتهم في المرحلة المقبلة. وتمثلت المطالب الجديدة للمتظاهرين في المرحلة المقبلة في الا يكون رئيس الوزراء المقبل مرشحا من الكتل السياسية الحاكمة وان يوكل الامر للمتظاهرين أنفسهم لترشيح من يرونه مناسبا، وان يكون مستقلا وغير محسوب على اي جهة دينية او حزبية وغير مشارك بالعملية السياسية حاليا وغير متورط بملفات فساد، وان يكون «رئيس الحكومة القادم ممثلا للشعب محاربا للفساد وان يكون عراقيا غير مزدوج الجنسية».
كما طالب المحتجون بضرورة محاكمة كل المتورطين بقتل المتظاهرين وانشاء «محاكم علنية» خاصة باحداث الاحتجاجات.
وعلى الرغم من المطالبات الجديدة لايزال البعض يردد مطالب تعد غير دستورية كاسقاط النظام السياسي برمته او الغاء النظام البرلماني واقامة نظام رئاسي بشكل مباشر وبدون تعديل دستوري.
ويبدو ان معظم تلك المطالب قد وجدت صداها لدى المنظومة السياسية اذ سارع رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي الذي يتزعم كتلة (النصر النيابية) والذي سبق ان عرض نفسه كمرشح للمنصب ابان تشكيل الحكومة قبل اكثر من عام الى الاعلان بانه لن يترشح للمنصب، داعيا الى ان يكون المرشح مستقلا وينال ثقة الشعب.
على صعيد متصل، طالب النائب عن كتلة (سائرون) التي اعلنت انسحابها من تشكيل الحكومة الجديدة صباح الساعدي مجلس القضاء الاعلى بتشكيل محكمة مختصة بما اسماها (ثورة تشرين) لمحاكمة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي واعضاء حكومته والقادة الامنيين بمستوياتهم ورتبهم كافة الذين شاركوا فيما وصفه «بقمع المظاهرات الاحتجاجية وقتل المتظاهرين».
ودعا الساعدي في مؤتمر صحافي امس الاول إلى منع سفر رئيس الحكومة والوزراء والقادة الامنيين وان تكون محاكمتهم علنية «لتبث للشعب العراقي مع تنفيذ احكام الاعدام في ساحات التظاهر».
وفي الاثناء، ذكرت مصادر سياسية أن الرئيس العراقي برهم صالح يواجه مشاكل في تسمية مرشح جديد لتولي مهمة تشكيل الحكومة الجديدة بعد انسحاب كتلة سائرون من تشكيل الحكومة، ما يعني أنه سيذهب إلى ثاني أكبر كتلة في البرلمان، وهي تحالف الفتح بزعامة هادي العامري.